الشاهد فيه
قوله: "ونار" أراد، "وكل نار" فحذف، لما جرى ذكر "كل"، مع تقديم المجرور وحصول الرتبة قي آخر الكلام، واتصال المجرور بحرف العطف لفظا ومعنى.
ولو كان التركيب: أتحسبين امرأ كل امرئ، ونار توقد بالليل نارا، لم يجز حتى تظهر كلا، لأنك إن أعطيت الكلام حقه من الاستواء، لزمك تأخير "النار" المجرورة بكل المقدرة، كما أخرت "كلا" الأولى، قال الأعلم: العرب تجيز، في الدار زيد والحجرة عمرو، وإن في الدار زيدا والحجرة عمرا، وليس بقائم زيد، ولا خارج عمرو.
ولا تجيز، زيد في الدار والحجرة عمرو، ولا إن زيدا في الدار، والحجرة عمرا، وليس زيدا بقائم ولا خارج عمرو.
والفرق بين الكلامين: انك إذا قلت: في الدار زيد والحجرة عمرو جرى
آخر الكلام وأوله على الاستواء من تقديم الخبرين على المخبر عنهما، فاحتمل الكلام الحذف من الثاني، لدلالة الأول على المحذوف ولاتصال المحذوف بحرف العطف، القائم، مقامه في الاتصال بالمجرور، ولم يبق في الكلام إزالة شيء عن موضعه، لوقوع الرتبة فيه، وحصولها.
فإذا قلت: زيد في الدار والحجرة عمرو، لم يجز: لأن خبر الأول وقع مؤخرا، فيجب في خبر الآخر أن يقع للاستواء، فإذا أخرته، فقلت: زيد في الدار وعمرو الحجرة، بطل الحذف مع التفريق بين المجرور وحرف العطف.
فكما لم يجز حذفه في التأخير، لم يجز مع التقديم، وكذلك القول في: إن في الدار زيدا والحجرة عمرا، وليس بقائم زيد ولا خارج عمرو.
لأن هذا كله جار على الرتبة، فجاز فيه الحذف على ما تقدم.
فإن أخرت الخبرين، في المسألتين، بطل فيهما ما بطل في الأول قال الأعور الشني:
هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها
وقال النابغة الجعدي:
وننكر يوم الروع ألون خيلنا ... من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا
فليس بمعروف لنا أن نردها ... صحاحا ولا مستنكر أن تعقرا
وفي الكتاب العزيز: (إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين) ، وبعده (واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها، وتصريف الرياح، آيات) ، بالرفع على موضع "إن"، والنصب على المنصوب بها، وقد حذف الجار من الخبر.
فهذا كله بمنزلة قولك: ليس بقائم زيد، ولا خارج عمرو، قال الله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة) وبعده (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها) ، والتقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، فحذف من الآخر حرف الجر، لذكره في الأول، كما تقدم.
فهذا نظير قولك: لزيد عقل، وعمرو أدب، تريد: ولعمرو أدب وكذلك ما حكاه سيبويه من قول العرب: "ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة".
أراد: "ولا كل بيضاء" فحذف "كل" من الآخر، كما حذف حرف الجر مما تقدم.
ولا يلتفت إلى تأويل النحويين، فيما ذكرنا من العطف على عاملين، ولا غيره.