: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبده ورسوله ".
ثم كان من خبرنا،
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي، تخلفت عنا الأنصار مع سعد بن عبادة، وتخلف عنا علي، والزبير، ومن كان معهما في بيت فاطمة، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقلت لأبي بكر رضي الله عنه: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخوتنا من الأنصار، فانطلقت أنا، وأبو بكر، وأبو عبيدة بن الجراح، واستقبلنا رجلان صالحان من الأنصار قد شهدا بدرا: عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا من الأنصار، فقالا: فارجعوا، فأتموا أمركم بينكم، قلت: والله لآتينهم، فأتيناهم، فإذا هم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة، وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، قلت: ما له؟ ، قالوا: مريض، فلما جلسنا قام خطيب الأنصار، فحمد
الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشر قريش حي منا، قد دفت إلينا دافة منكم.
قال عمر رضي الله عنه: وإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، ويحتضنوا الأمر، فلما سكت، أردت أن أتكلم، وكنت زورت في نفسي مقالة أريد أن أقوم بها بين يدي أبي بكر رضي الله عنه، وكنت أداري بعض الحد من أبي بكر رضي الله عنه، وكان هو أوقر مني وأحلم، فذهبت أتكلم، فقال أبو بكر: على رسلك.
فكرهت أن أعصيه، فحمد الله، وأثنى عليه، فوالله، ما ترك مما كنت زورت في نفسي مقالة، إلا وجاء بها، أو بأحسن منها، ثم قال: فما ذكرتم فيكم من خير، فأنتم أهله، وإن العرب لا تعرف هذا الأمر، إلا لهذا الحي من قريش، فهم أوسط العرب في العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي، وبيد أبي عبيدة.
فوالله، ما كرهت من مقالته شيئا غيره، وكنت لأن أقدم، فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر رضي الله عنه، فقام الحباب بن المنذر السلامي، فقال: أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم يا معشر قريش أمير، وإن شئتم أعدنا الحرب جذعة، وارتفعت الأصوات، وكثر اللغط حتى أشفقت الاختلاف، فقلت: يا أبا بكر، ابسط يدك، فبسطها، فبايعته، وبايعه أبو عبيدة، وبايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد، فقال قائل: قتلتم سعدا،
فقلت: قتل الله سعدا.
أما والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمرنا أقوى من مبايعة أبي بكر رضي الله عنه، خفنا إن فارقنا، أن يحدثوا بعدها بيعة، فإما تابعناهم، فتابعناهم على ما نكره، أو نخالفهم فيكون فسادا، ولا يغرن امرأ، يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فلتة، ألا إنها كانت فلتة، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر رضي الله عنه.
هذا حديث صحيح المتن والإسناد، رواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، عن عبد العزيز الأويسي، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن الزهري. PageV01P310