[سورة النحل (16) : الآيات 63 الى
64]</span>
تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64)
قوله تعالى: تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك قال المفسرون: هذه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم فزين لهم الشيطان أعمالهم الخبيثة حتى عصوا وكذبوا، فهو وليهم اليوم فيه قولان: أحدهما: أنه يوم القيامة، قاله ابن السائب، ومقاتل، كأنهما أرادا: فهو وليهم يوم تكون لهم النار. والثاني: أنه الدنيا، فالمعنى:
فهو مواليهم في الدنيا ولهم عذاب أليم في الآخرة، قاله أبو سليمان الدمشقي. قوله تعالى: إلا لتبين لهم يعني: الكفار الذي اختلفوا فيه أي: ما خالفوا فيه المؤمنين من التوحيد والبعث والجزاء، فالمعنى: أنزلناه بيانا لما وقع فيه الاختلاف.
[سورة النحل (16) : الآيات 65 الى 67]
والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (65) وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67)
قوله تعالى: والله أنزل من السماء ماء يعني: المطر فأحيا به الأرض بعد موتها أي: بعد يبسها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون أي: يعتبرون. PageV02P567
قوله تعالى: وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وحمزة، والكسائي:
«نسقيكم» بضم النون، ومثله في (المؤمنين) «1» . وقرأ نافع، وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: «نسقيكم» بفتح النون فيهما. وقرأ أبو جعفر: «تسقيكم» بتاء مفتوحة، وكذلك في (المؤمنين) وقد سبق بيان الأنعام، وذكرنا معنى «العبرة» في آل عمران «2» ، والفرق بين «سقى» و «أسقى» في (الحجر) «3» . فأما قوله: مما في بطونه فقال الفراء: النعم والأنعام شيء واحد، وهما جمعان، فرجع التذكير إلى معنى «النعم» إذ كان يؤدي عن الأنعام، أنشدني بعضهم.
وطاب ألبان اللقاح وبرد «4» فرجع إلى اللبن، لأن اللبن والألبان في معنى قال: وقال الكسائي: أراد: نسقيكم مما في بطون ما ذكرنا، وهو صواب، أنشدني بعضهم:
مثل الفراخ نتفت حواصله «5» وقال المبرد: هذا فاش في القرآن، كقوله للشمس: هذا ربي «6» يعني: هذا الشيء الطالع وكذلك: وإني مرسلة إليهم بهدية ثم قال: فلما جاء سليمان «7» ولم يقل: «جاءت» لأن المعنى: جاء الشيء الذي ذكرنا، وقال أبو عبيدة: الهاء في «بطونه» للبعض، والمعنى: نسقيكم مما في بطون البعض الذي له لبن، لأنه ليس لكل الأنعام لبن، وقال ابن قتيبة: ذهب بقوله: «مما في بطونه» إلى النعم، والنعم تذكر وتؤنث. والفرث: ما في الكرش، والمعنى: أن اللبن كان طعاما، فخلص من ذلك الطعام دم، وبقي فرث في الكرش، وخلص من ذلك الدم لبنا خالصا سائغا للشاربين أي: سهلا في الشرب لا يشجى به شاربه، ولا يغص. وقال بعضهم: سائغا، أي: لا تعافه النفس وإن كان قد خرج من بين فرث ودم، وروى أبو صالح عن ابن عباس قال: إذا استقر العلف في الكرش طحنه فصار أسفله فرثا، وأعلاه دما، وأوسطه لبنا، والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة، فيجري الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش.