المعنى: تدأبون دأبا، ودل على تدأبون «تزرعون» والدأب: الملازمة للشيء والعادة.
فإن قيل: كيف حكم بعلم الغيب، فقال: «تزرعون» ولم يقل: إن شاء الله؟ فعنه أربعة أجوبة: PageV02P443
أحدها: أنه كان بوحي من الله عز وجل. والثاني: أنه بنى على علم ما علمه الله من التأويل الحق، فلم يشك. والثالث: أنه أضمر «إن شاء الله» كما أضمر إخوته في قولهم: ونمير أهلنا ونحفظ أخانا «1» ، فاضمروا الاستثناء في نياتهم، لأنهم على غير ثقة مما وعدوا، ذكره ابن الأنباري. والرابع: أنه كالآمر لهم، فكأنه قال: ازرعوا.
قوله تعالى: فذروه في سنبله فإنه أبقى له، وأبعد من الفساد. والشداد: المجدبات التي تشتد على الناس. يأكلن أي: يذهبن ما قدمتم لهن في السنين المخصبة، فوصف السنين بالأكل، وإنما يؤكل فيها، كما يقال: ليل نائم.
قوله تعالى: إلا قليلا مما تحصنون أي: تحرزون وتدخرون.
[سورة يوسف (12) : آية 49]
ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49)
قوله تعالى: ثم يأتي من بعد ذلك عام إن قيل: لم أشار إلى السنين وهي مؤنثة ب «ذلك» ؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن القاسم: أحدهما: أن السبع مؤنثه، ولا علامة للتأنيث في لفظها، فأشبهت المذكر، كقوله تعالى: السماء منفطر به «2» فذكر منفطرا لما لم يكن في السماء علم التأنيث، قال الشاعر:
فلا مزنة ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها «3»
فذكر «أبقل» لما وصفنا. والثاني: أن «ذلك» إشارة إلى الجدب، وهذا قول مقاتل، والأول قول الكلبي. قال قتادة: زاده الله علم عام لم يسألوه عنه.
قوله تعالى: فيه يغاث الناس فيه قولان أحدهما: يصيبهم الغيث، قاله ابن عباس. والثاني:
يغاثون بالخصب. ذكره الماوردي. قوله تعالى: وفيه يعصرون قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم: «يعصرون» بالياء. وقرأ حمزة والكسائي بالتاء، فوجها الخطاب إلى المستفتين. وفي قوله: «يعصرون» خمسة أقوال: أحدها: يعصرون العنب والزيت والثمرات، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والجمهور. والثاني: «يعصرون» بمعنى يحتلبون، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وروى ابن الأنباري عن أبيه عن أحمد بن عبيد قال: تفسير «يعصرون» يحتلبون الألبان لسعة خيرهم واتساع خصبهم، واحتج بقول الشاعر:
فما عصمة الأعراب إن لم يكن لهم ... طعام ولا در من المال يعصر
أي: يحلب. والثالث: ينجون، وهو من العصر، والعصر: النجاء، والعصرة: المنجاة. ويقال:
فلان في عصرة: إذا كان في حصن لا يقدر عليه، قال الشاعر:
صاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود «4» PageV02P444
أي: غياثا للمغلوب المقهور، وقال عدي:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري «1»
هذا قول أبي عبيده. والرابع: يصيبون ما يحبون، روي عن أبي عبيدة أيضا أنه قال: المعتصر:
الذي يصيب الشيء ويأخذه، ومنه هذه الآية. ومنه قول ابن أحمر:
فإنما العيش بريانه ... وأنت من أفنانه معتصر
والخامس: يعطون ويفضلون لسعة عيشهم، رواه ابن الأنباري عن بعض أهل اللغة. وقرأ سعيد بن جبير: «يعصرون» بضم الياء وفتح الصاد. وقال الزجاج: أراد: يمطرون من قوله: وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا «2» .