[سورة يوسف (12) : الآيات 31 الى
32]</span>
فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32)
قوله تعالى: فلما سمعت يعني: امرأة العزيز بمكرهن وفيه قولان: أحدهما: أنه قولهن PageV02P434
وعيبهن لها، قاله ابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن قتيبة. قال الزجاج: وإنما سمي هذا القول مكرا، لأنها كانت أطلعتهن على أمرها، واستكتمتهن، فمكرن وأفشين سرها. والثاني: أنه مكر حقيقة، وإنما قلن ذلك مكرا بها لتريهن يوسف، قاله ابن إسحاق.
قوله تعالى: وأعتدت قال الزجاج: أفعلت من العتاد، وكل ما اتخذته عدة لشيء فهو عتاد، والعتاد: الشيء الثابت اللازم. فأما المتكأ، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه المجلس فالمعنى: هيأت لهن مجلسا، قاله الضحاك عن ابن عباس. والثاني: أنه الوسائد اللائي يتكئن عليها، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال الزجاج: المتكأ: ما يتكأ عليه لطعام أو شراب أو حديث. والثالث: أنه الطعام، قاله الحسن، ومجاهد، وقتادة. قال ابن قتيبة: يقال: اتكأنا عند فلان: إذا طعمنا، قال جميل بن معمر:
فظللنا في نعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله «1»
والأصل في هذا أن من دعوته ليطعم، أعددت له التكأة للمقام والطمأنينة، فسمي الطعام متكأ على الاستعارة. قال الأزهري: إنما قيل للطعام: متكأ، لأن القوم إذا قعدوا على الطعام اتكؤوا، ونهيت هذه الأمة عن ذلك. وقرأ مجاهد «متكا» بإسكان التاء خفيفة، وفيه أربعة أقوال:
أحدها: أنه الأترج، قاله ابن عباس ومجاهد ويحيى بن يعمر في آخرين، ومنه قول الشاعر:
وترى المتك بيننا مستعارا «2»
يريد: الأترج. والثاني: أنه الطعام أيضا، قاله عكرمة. والثالث: كل شيء يحز بالسكاكين، قاله الضحاك. والرابع: أنه الزماورد، روي عن الضحاك أيضا.
وقد روي عن جماعة أنهم فسروا المتكأ بما فسروا به المتك، فروي عن ابن جريج أنه قال:
المتكأ: الأترج، وكل ما يحز بالسكاكين. وعن الضحاك قال: المتكأ: كل ما يحز بالسكاكين. وفرق آخرون بين القراءتين، فقال مجاهد: من قرأ «متكأ» بالتثقيل، فهو الطعام، ومن قرأ بالتخفيف، فهو الأترج. قال ابن قتيبة: من قرأ «متكا» فإنه يريد الأترج، ويقال: الزماورد. وأيا ما كان، فإني لا أحسبه سمي متكا إلا بالقطع، كأنه مأخوذ من البتك، فأبدلت الميم منه باء، كما يقال: سمد رأسه وسبده: إذا استأصله، وشر لازم، ولازب، والميم تبدل من الباء كثيرا، لقرب مخرجيها.
قوله تعالى: وآتت كل واحدة منهن سكينا إنما فعلت ذلك، لأن الطعام الذي قدمت لهن يحتاج إلى السكاكين. وقيل: كان مقصودها افتضاحهن بتقطيع أيديهن كما فضحنها. قال وهب بن منبه:
ناولت كل واحدة منهن أترجة وسكينا، وقالت لهن: لا تقطعن ولا تأكلن حتى أعلمكن، ثم قالت ليوسف: اخرج عليهن. قال الزجاج: إن شئت ضممت التاء من قوله: «وقالت» ، وإن شئت كسرت، والكسر الأصل لسكون التاء والخاء، ومن ضم التاء، فلثقل الضمة بعد الكسرة. ولم يمكنه أن لا يخرج، لأنه بمنزلة العبد لها. وذكر بعض أهل العلم أنها إنما قالت: «اخرج» وأضمرت في نفسها «عليهن» ، فأخبر الحق عما في النفس كأن اللسان قد نطق به، ومثله: إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء PageV02P435