يأوى إلى ركن من الأركان ... في عدد طيس ومجد باني
والطيس: الكثير، يقال: أتانا لبن طيس، وشراب طيس، أي: كثير.
واختلفوا أي وقت قال هذا لوط فروي عن ابن عباس أن لوطا كان قد أغلق بابه والملائكة معه في الدار، وهو يناظرهم ويناشدهم وراء الباب، وهم يعالجون الباب ويرومون تسور الجدار فلما رأت الملائكة ما يلقى من الكرب، قالوا: يا لوط إنا رسل ربك، فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب، فدخلوا، واستأذن جبريل ربه في عقوبتهم، فأذن له، فضرب بجناحه وجوههم فأعماهم، فانصرفوا يقولون: النجاء النجاء، فان في بيت لوط أسحر قوم في الأرض وجعلوا يقولون: يا لوط، كما أنت حتى تصبح، يوعدونه فقال لهم لوط: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح، قال: لو أهلكتموهم الآن، فقالوا: أليس الصبح بقريب؟ وقال أبو صالح عن ابن عباس: إنهم لما تواعدوه، قال في نفسه: ينطلق هؤلاء القوم غدا من عندي، وأبقى مع هؤلاء فيهلكوني، فقال: لو أن لي بكم قوة.
قلت: وإنما يتوجه هذا إذا قلنا: إنه كان قبل علمه أنهم ملائكة. وقال قوم: إنه إنما قال هذا لما كسروا بابه وهجموا عليه. وقال آخرون: لما نهاهم عن أضيافه فأبوا قال هذا. وفي الجملة، ما أراد بالركن نصر الله وعونه، لأنه لم يخل من ذلك، وإنما ذهب إلى العشيرة والأسرة.
(796) وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، وما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه» .
قوله تعالى: لن يصلوا إليك قال مقاتل: فيه إضمار، تقديره: لن يصلوا إليك بسوء، وذلك أنهم قالوا للوط: إنا نرى معك رجالا سحروا أبصارنا، فستعلم غدا ما تلقى أنت وأهلك فقال له جبريل: إنا رسل ربك لن يصلوا إليك.
قوله تعالى: فأسر بأهلك قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي «فأسر» PageV02P391
بإثبات الهمز في اللفظ من أسريت. وقرأ ابن كثير، ونافع «فاسر بأهلك» بغير همز من سريت، وهما لغتان. قال الزجاج: يقال: سريت، وأسريت: إذا سرت ليلا، قال الشاعر:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان «1»
وقال النابغة:
أسرت عليه من الجوزاء سارية «2» تزجي الشمال عليه جامد البرد وقد رووه: سرت. فأما أهله، فقال مقاتل: هم امرأته وابنتاه، واسم ابنتيه: ربثا وزعرثا. وقال السدي: اسم الكبرى: رية، واسم الصغرى: عروبة، والمراد بأهله: ابنتاه. فأما القطع، فهو بمعنى القطعة يقال: مضى قطع من الليل، أي: قطعة. قال ابن عباس: يريد به: آخر الليل. وقال ابن قتيبة:
«بقطع» أي: ببقية تبقى من آخره. وقال ابن الأنباري: ذكر القطع بمعنى القطعة مختص بالليل، ولا يقال: عندي قطع من الثوب، بمعنى: عندي قطعة.
قوله تعالى: ولا يلتفت منكم أحد فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى: لا يتخلف منكم أحد، قاله أبو صالح عن ابن عباس، والثاني: أنه الالتفات المعروف، قاله مجاهد، ومقاتل.
قوله تعالى: إلا امرأتك قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بنصب التاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، وابن جماز عن أبي جعفر برفع التاء. قال الزجاج: من قرأ بالنصب فالمعنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك. ومن قرأ بالرفع حمله على: «ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك» . وإنما أمروا بترك الالتفات لئلا يروا عظيم ما ينزل بهم من العذاب. قال ابن الأنباري: وعلى قراءة الرفع يكون الاستثناء منقطعا، معناه: لكن امرأتك فإنها تلتفت فيصيبها ما أصابهم فإذا كان استثناء منقطعا كان التفاتها معصية لربها، لأنه ندب إلى ترك الالتفات. قال قتادة: ذكر لنا أنها كانت مع لوط حين خرج من القرية، فلما سمعت هدة العذاب التفتت فقالت: وا قوماه، فأصابها حجر فأهلكها، وهو قوله: إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم للعذاب الصبح.