فالجواب: أنه إنما رجع الجواب من التوحيد إلى الجمع، لأن ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم فقد خوطبت به أمته، فاكتفى به من أمته في المخاطبة الأولى، ثم أظهر المعنى في المخاطبة الثانية. ومثل هذا قوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن «1» . ذكر هذا الجواب ابن الأنباري.
فأما الجواب الثاني عن أم فهو أنها للاستفهام، وليست مردودة على شيء. قال الفراء: إذا توسط الاستفهام الكلام ابتدئ بالألف وبأم، وإذا لم يسبقه كلام لم يكن إلا بالألف أو ب «هل» .
وقال ابن الأنباري: «أم» جارية مجرى «هل» ، غير أن الفرق بينهما: أن «هل» استفهام مبتدأ، لا يتوسط ولا يتأخر، و «أم» : استفهام متوسط، لا يكون إلا بعد كلام.
فأما الرسول ها هنا: فهو: محمد صلى الله عليه وسلم، والذي سئل موسى من قبل قولهم: أرنا الله جهرة «2» ، وهل سألوا ذلك نبيا أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: أنهم سألوا ذلك، فقالوا: لن نؤمن لك حتى ...
تأتي بالله والملائكة قبيلا «3» ، قاله ابن عباس. والثاني: أنهم بالغوا في المسائل، فقيل لهم بهذه الآية:
لعلكم تريدون أن تسألوا محمدا أن يريكم الله جهرة، قاله أبو سليمان الدمشقي.
والكفر: الجحود. والإيمان: التصديق. وقال أبو العالية: المعنى: ومن يتبدل الشدة بالرخاء.
وسواء السبيل: وسطه.
[سورة البقرة (2) : آية
109]</span>
ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير (109)
قوله تعالى: ود كثير من أهل الكتاب في سبب نزولها ثلاثة أقوال:
(34) أحدها: أن حيي بن أخطب، وأبا ياسر كانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. PageV01P100
(35) والثاني: أن كعب بن الأشرف كان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم، ويحرض عليه كفار قريش في شعره، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدمها، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصفح عنهم، فنزلت هذه الآية، قاله عبد الله بن كعب بن مالك.
(36) والثالث: أن نفرا من اليهود دعوا حذيفة وعمارا إلى دينهم، فأبيا، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل.
ومعنى ود: أحب وتمنى. وأهل الكتاب: اليهود. قال الزجاج: من عند أنفسهم موصول: ب ود كثير، لا بقوله: حسدا، لأن حسد الإنسان لا يكون إلا من عند نفسه.
والمعنى: مودتهم لكفركم من عند أنفسهم، لا أنه عندهم الحق. فأما الحسد: فهو تمني زوال النعمة عن المحسود، وإن لم يصر للحاسد مثلها، وتفارقه الغبطة، فانها تمني مثلها من غير حب زوالها عن المغبوط. وحد بعضهم الحسد، فقال: هو أذى يلحق بسبب العلم بحسن حال الأخيار، ولا يجوز أن يكون الفاضل حسودا، لأن الفاضل يجري على ما هو الجميل. وقال بعض الحكماء: كل أحد يمكن أن ترضيه إلا الحاسد، فانه لا يرضيه إلا زوال نعمتك. وقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي. قوله تعالى: حتى يأتي الله بأمره، قال ابن عباس: فجاء الله بأمره في النضير بالجلاء والنفي، وفي قريظة بالقتل والسبي.
فصل: وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود، وأبي العالية، وقتادة رضي الله عنهم: أن العفو والصفح منسوخ بقوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله «1» ، وأبى هذا القول جماعة من المفسرين والفقهاء، واحتجوا بأن الله لم يأمر بالصفح والعفو مطلقا، وإنما أمر به إلى غاية، وما بعد الغاية يخالف حكم ما قبلها، وما هذا سبيله لا يكون من باب المنسوخ، بل يكون الأول قد انقضت مدته بغايته، والآخر يحتاج إلى حكم آخر.