[سورة المائدة (5) : آية
106]</span>
يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106)
قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم.
(483) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان تميم الداري، وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة، فصحبهما رجل من قريش من بني سهم، فمات بأرض ليس فيها أحد من المسلمين، فأوصى إليهما بتركته، فلما قدما، دفعاها إلى أهله، وكتما جاما كان معه من فضة، وكان مخوصا بالذهب، فقالا: لم نره، فأتي بهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستحلفهما بالله: ما كتما، وخلى سبيلهما، ثم إن الجام وجد عند قوم من أهل مكة، فقالوا: ابتعناه من تميم الداري، وعدي بن بداء، فقام أولياء السهمي، فأخذوا الجام، وحلف رجلان منهم بالله: إن هذا الجام جام صاحبنا، وشهادتنا أحق من شهادتهما، وما اعتدينا، فنزلت هذه الآية، والتى بعدها.
قال مقاتل: واسم الميت: بزيل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي، وكان تميم، وعدي نصرانيين، فأسلم تميم، ومات عدي نصرانيا.
فأما التفسير: فقال الفراء: معنى الآية: ليشهدكم اثنان إذا حضر أحدكم الموت. قال الزجاج:
المعنى: شهادة هذه الحال شهادة اثنين، فحذف «شهادة» ويقوم «اثنان» مقامهما. وقال ابن الأنباري:
معنى الآية: ليشهدكم في سفركم إذا حضركم الموت، وأردتم الوصية اثنان. وفي هذه الشهادة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الشهادة على الوصية التي ثبتت عند الحكام، وهو قول ابن مسعود، وأبي موسى، وشريح، وابن أبي ليلى، والأوزاعي، والثوري، والجمهور. والثاني: أنها أيمان الوصي بالله تعالى إذا PageV01P595
ارتاب الورثة بهما، وهو قول مجاهد. والثالث: أنها شهادة الوصية، أي: حضورها، كقوله تعالى: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت «1» ، جعل الله الوصي هاهنا اثنين تأكيدا، واستدل أرباب هذا القول بقوله تعالى: فيقسمان بالله قالوا: والشاهد لا يلزمه يمين. فأما «حضور الموت» فهو حضور أسبابه ومقدماته. وقوله تعالى: حين الوصية، أي: وقت الوصية. وفي قوله: «منكم» قولان: أحدهما:
من أهل دينكم وملتكم، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير وشريح، وابن سيرين، والشعبي، وهو قول أصحابنا. والثاني: من عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا، قاله الحسن وعكرمة، والزهري، والسدي. قوله تعالى: أو آخران تقديره: أو شهادة آخرين من غيركم.
وفي قوله تعالى: من غيركم قولان: أحدهما: من غير ملتكم ودينكم، قاله أرباب القول الأول.
والثاني: من غير عشيرتكم وقبيلتكم، وهم مسلمون أيضا، قاله أرباب القول الثاني. وفي «أو» قولان:
أحدهما: أنها ليست للتخيير، وإنما المعنى: أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم، وبه قال ابن عباس، وابن جبير. والثاني: أنها للتخيير، ذكره الماوردي.
فصل: والقائل بأن المراد بالآية شهادة مسلمين من القبيلة، أو من غير القبيلة لا يشك في إحكام هذه الآية. فأما القائل بأن المراد بقوله: أو آخران من غيركم أهل الكتاب إذا شهدوا على الوصية في السفر، فلهم فيها قولان: أحدهما: أنها محكمة، والعمل على هذا باق، وهو قول ابن عباس. وابن المسيب، وابن جبير، وابن سيرين، وقتادة، والشعبي، والثوري، وأحمد في آخرين. والثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: وأشهدوا ذوي عدل منكم «2» وهو قول زيد بن أسلم، وإليه يميل أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، قالوا: وأهل الكفر ليسوا بعدول. والأول أصح، لأن هذا موضع ضرورة كما يجوز في بعض الأماكن شهادة نساء لا رجل معهن بالحيض والنفاس والاستهلال.