قوله تعالى: ولقد عفا عنكم فيه قولان: أحدهما: عفا عن عقوبتكم، قاله ابن عباس.
والثاني: عفا عن استئصالكم، قاله الحسن. وكان يقول: هؤلاء مع رسول الله، في سبيل الله غضاب لله، يقاتلون أعداء الله، نهوا عن شيء فضيعوه، فما تركوا حتى غموا بهذا الغم، والفاسق اليوم يتجرم كل كبيرة ويركب كل داهية، ويزعم أن لا بأس عليه، فسوف يعلم.
قوله تعالى: والله ذو فضل على المؤمنين فيه قولان: أحدهما: إذا عفا عنهم، قاله ابن عباس.
والثاني: إذ لم يقتلوا جميعا، قاله مقاتل.
[سورة آل عمران (3) : آية
153]</span>
إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153)
قوله تعالى: إذ تصعدون قال المفسرون: «إذ» متعلقة بقوله تعالى: ولقد عفا عنكم وأكثر القراء على ضم التاء، وكسر العين، من قوله تعالى: «تصعدون» وهو من الإصعاد. وروى أبان عن ثعلب، عن عاصم فتحهما، وهي قراءة الحسن، ومجاهد، وهو من الصعود. قال الفراء: الإصعاد في ابتداء الأسفار، والمخارج، تقول: أصعدنا من بغداد إلى خراسان، فإذا صعدت على سلم أو درجة، قلت: صعدت، ولا تقول: أصعدت. وقال الزجاج: كل من ابتدأ مسيرا من مكان، فقد أصعد، فأما الصعود، فهو من أسفل إلى فوق، قال ومن فتح التاء والعين، أراد الصعود في الجبل.
وللمفسرين في معنى الآية قولان: أحدهما: أنه صعودهم في الجبل، قاله ابن عباس ومجاهد. والثاني:
أنه الإبعاد في الهزيمة، قاله قتادة، وابن قتيبة.
وتلوون بمعنى: تعرجون. وقوله تعالى: على أحد عام.
(224) وقد روي عن ابن عباس أنه أريد به النبي صلى الله عليه وسلم، قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يناديهم من خلفهم: «إلي عباد الله، أنا رسول الله» .
وقرأت عائشة وأبو مجلز وأبو الجوزاء وحميد «على أحد» بضم الألف والحاء، يعنون الجبل.
قوله تعالى: فأثابكم أي: جازاكم. قال الفراء: الإثابة هاهنا بمعنى عقاب، ولكنه كما قال الشاعر «1» :
أخاف زيادا أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا PageV01P335
المحدرجة: السياط. والسود فيما يقال: القيود.
قوله تعالى: غما بغم في هذه الباء أربعة أقوال: أحدها: أنها بمعنى «مع» . والثاني: بمعنى «بعد» . والثالث: بمعنى «على» ، فعلى هذه الثلاثة الأقوال يتعلق الغمان بالصحابة. وللمفسرين في المراد بهذين الغمين خمسة أقوال: أحدها: أن الغم الأول ما أصابهم من الهزيمة والقتل، والثاني:
إشراف خالد بن الوليد بخيل المشركين عليهم، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: أن الأول قرارهم الأول، والثاني. قرارهم حين سمعوا أن محمدا قد قتل، قاله مجاهد. والثالث: أن الأول ما فاتهم من الغنيمة وأصابهم من القتل والجراح، والثاني: حين سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، قاله قتادة. والرابع: أن الأول ما فاتهم من الغنيمة، والفتح، والثاني: إشراف أبي سفيان عليهم، قاله السدي. والخامس: أن الأول إشراف خالد بن الوليد عليهم، والثاني: إشراف أبي سفيان عليهم، ذكره الثعلبي. والقول الرابع:
أن الباء بمعنى الجزاء، فتقديره: غمكم كما غممتم غيركم، فيكون أحد الغمين للصحابة، وهو أحد غمومهم التي ذكرناها عن المفسرين، ويكون الغم الذي جوزوا لأجله لغيرهم. وفي المراد بغيرهم قولان: أحدهما: أنهم المشركون غموهم يوم بدر، قاله الحسن. والثاني: أنه النبي صلى الله عليه وسلم غموه حيث خالفوه، فجوزوا على ذلك بأن غموا بما أصابهم، قاله الزجاج.