أحدها: أنه الذي ليس له سهم في فيء المسلمين، وهو المحارف «2» ، قاله ابن عباس. وقال إبراهيم:
هو الذي لا سهم له في الغنيمة. والثاني: أنه الذي لا ينمى له شيء، قاله مجاهد، وكذلك قال عطاء:
هو المحروم في الرزق والتجارة. والثالث: أنه المسلم الفقير، قاله محمد بن علي. والرابع: أنه المتعفف الذي لا يسأل شيئا، قاله قتادة، والزهري. والخامس: أنه الذي يجيء بعد الغنيمة، وليس له فيها سهم، قاله الحسن بن محمد ابن الحنفية. والسادس: أنه المصاب ثمرته وزرعه أو نسل ماشيته، قاله ابن زيد. والسابع: أنه المملوك، حكاه الماوردي. والثامن: أنه الكلب، روي عن عمر بن عبد العزيز، وكان الشعبي يقول: أعياني أن أعلم ما المحروم. وأظهر الأقوال قول قتادة والزهري، لأنه قرنه بالسائل، والمتعفف لا يسأل- ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل- ثم يتحفظ بالتعفف من ظهور أثر الفاقة عليه، فيكون محروما من قبل نفسه حين لم يسأل، ومن قبل الناس حين لا يعطونه، وإنما يفطن له متيقظ. وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة، ولا يصح.
قوله تعالى: وفي الأرض آيات كالجبال والأنهار والأشجار والثمار وغير ذلك للموقنين بالله عز وجل الذين يعرفونه بصنعه. وفي أنفسكم آيات إذ كنتم نطفا ثم عظاما، ثم علقا، ثم مضغا إلى غير ذلك من أحوال الاختلاف ثم اختلاف الصور والألوان والطبائع، وتقويم الأدوات، والسمع والبصر والعقل، وتسهيل سبيل الحدث، إلى غير ذلك من العجائب المودعة في ابن آدم. وتم الكلام عند قوله:
وفي أنفسكم، ثم قال: أفلا تبصرون قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث.
قوله تعالى: وفي السماء رزقكم وقرأ أبي بن كعب، وحميد، وأبو حصين الأسدي: «أرزاقكم» براء ساكنة، وبألف بين الزاي والقاف. وقرأ ابن مسعود، والضحاك، وأبو نهيك: «رازقكم» بفتح الراء وكسر الزاي وبألف بينهما. وعن ابن محيصن كهاتين القراءتين. وفيه قولان: أحدهما: أنه المطر، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وليث عن مجاهد، وهو قول الجمهور. والثاني: الجنة، رواه ابن نجيح عن مجاهد. وفي قوله: وما توعدون قولان: أحدهما: أنه الخير والشر كلاهما يأتي من السماء، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد. والثاني: الجنة، رواه ليث عن مجاهد. قال أبو PageV04P169
عبيدة: في هذه الآية مضمر مجازه: عند من في السماء رزقكم، وعنده ما توعدون، والعرب تضمر، قال نابغة ذبيان:
كأنك من جمال بني أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن «1»
أراد: كأنك جمل من جمال بني أقيش.
قوله تعالى: إنه لحق قال الزجاج: يعني ما ذكره من أمر الآيات والرزق وما توعدون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما أنكم تنطقون قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: «مثل» برفع اللام. وقرأ الباقون بنصب اللام. قال الزجاج: فمن رفع «مثل» فهي من صفة الحق، والمعنى: إنه لحق مثل نطقكم ومن نصب فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون في موضع رفع، إلا أنه لما أضيف إلى «أن» فتح. والثاني: أن يكون منصوبا على التأكيد، على معنى: إنه لحق حقا مثل نطقكم، وهذا الكلام كما تقول: إنه لحق كما أنك تتكلم.