ثم ذكر جواب القسم الثاني، قال: إنكم يعني أهل مكة لفي قول مختلف في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، بعضكم يقول: شاعر، وبعضكم يقول: مجنون. وفي القرآن، بعضكم يقول: سحر، وبعضكم يقول:
كهانة ورجز، إلى غير ذلك. يؤفك عنه من أفك أي: يصرف عن الإيمان به من صرف فحرمه. والهاء في «عنه» عائدة إلى القرآن، وقيل: يصرف عن هذا القول، أي: من أجله وسببه، عن الإيمان من صرف. وقرأ قتادة: «من أفك» بفتح الألف والفاء. وقرأ عمرو بن دينار: «من أفك» بفتح الألف وكسر الفاء. قتل الخراصون قال الفراء: يعني: لعن الكذابون الذين قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ساحر وكذاب وشاعر، خرصوا ما لا علم لهم به. وفي رواية العوفي عن ابن عباس: أنهم الكهنة. وقال ابن الأنباري:
والقتل إذا أخبر عن الله به فهو بمعنى اللعنة، لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك.
قوله تعالى: الذين هم في غمرة أي في عمى وجهالة بأمر الآخرة ساهون أي غافلون.
والسهو: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه. يسئلون أيان يوم الدين أي يقولون: يا محمد متى يوم الجزاء؟! تكذيبا منهم واستهزاء. ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: يوم هم على النار قال الزجاج: «اليوم» منصوب على معنى: يقع الجزاء يوم هم على النار يفتنون أي يحرقون ويعذبون، ومن ذلك يقال للحجارة السود التي كأنها قد أحرقت بالنار: الفتين. قوله تعالى: ذوقوا المعنى: يقال لهم: ذوقوا فتنتكم وفيها قولان: أحدهما: تكذيبكم، قاله ابن عباس. والثاني: حريقكم، قاله مجاهد. قال أبو عبيدة: هاهنا تم الكلام، ثم ائتنف، فقال: هذا الذي كنتم به تستعجلون قال المفسرون: يعني الذي كنتم تستعجلونه في الدنيا استهزاء.
ثم ذكر ما وعد الله لأهل الجنة فقال: إن المتقين في جنات وعيون وقد سبق شرح هذا «1» .
قوله تعالى: آخذين قال الزجاج: هو منصوب على الحال، فالمعنى: في جنات وعيون في حال أخذ ما آتاهم ربهم قال المفسرون: أي ما أعطاهم الله من الكرامة إنهم كانوا قبل ذلك محسنين في أعمالهم.
وفي الآية وجه آخر: «آخذين ما آتاهم ربهم» أي: عاملين بما أمرهم به من الفرائض «إنهم كانوا قبل» أن تفرض الفرائض عليهم، «محسنين» أي: مطيعين، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية مسلم البطين.
ثم ذكر إحسانهم فقال: كانوا قليلا من الليل ما يهجعون والهجوع: النوم بالليل دون النهار. وفي «ما» قولان: أحدهما: النفي. ثم في المعنى قولان: أحدهما: كانوا يسهرون قليلا من الليل. قال أنس بن مالك، وأبو العالية: هو ما بين المغرب والعشاء. والثاني: كانوا ما ينامون قليلا من الليل. PageV04P168
واختار قوم الوقف على قوله: «قليلا» على معنى: كانوا من الناس قليلا، ثم ابتدأ فقال: «من الليل ما يهجعون» على معنى نفي النوم عنهم البتة، وهذا مذهب الضحاك، ومقاتل. والقول الثاني: أن «ما» بمعنى الذي، فالمعنى: كانوا قليلا من الليل الذي يهجعونه، وهذا مذهب الحسن، والأحنف بن قيس، والزهري. وعلى هذا يحتمل أن تكون «ما» زائدة.
قوله تعالى: وبالأسحار هم يستغفرون وقد شرحناه في آل عمران «1» .
قوله تعالى: وفي أموالهم حق أي: نصيب، وفيه قولان: أحدهما: أنه ما يصلون به رحما، أو يقرون به ضيفا، أو يحملون به كلا، أو يعينون به محروما، وليس بالزكاة، قاله ابن عباس. والثاني: أنه الزكاة، قاله قتادة، وابن سيرين. قوله تعالى: للسائل وهو الطالب. وفي «المحروم» ثمانية أقوال: