[سورة الزمر (39) : الآيات 53 الى 55]
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54) واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55)
قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم في سبب نزولها أربعة أقوال:
(1232) أحدها: أن ناسا من المشركين كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا رسول PageV04P022
الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزلت هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.
(1233) والثاني: أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين كانوا قد أسلموا، ثم عذبوا فافتتنوا، فكان أصحاب رسول الله يقولون: لا يقبل الله من هؤلاء صرفا ولا عدلا، قوم تركوا دينهم بعذاب عذبوه فنزلت هذه الآية، فكتبها عمر إلى عياش والوليد وأولئك النفر، فأسلموا وهاجروا وهذا قول ابن عمر.
والثالث: أنها نزلت في وحشي وهذا القول ذكرناه مشروحا في آخر الفرقان «1» عن ابن عباس.
(1234) والرابع: أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد فعلنا ذلك؟! فنزلت هذه الآية وهذا مروي عن ابن عباس أيضا.
ومعنى أسرفوا على أنفسهم ارتكبوا الكبائر. والقنوط بمعنى اليأس. وأنيبوا بمعنى ارجعوا إلى الله من الشرك والذنوب، وأسلموا له أي: أخلصوا له التوحيد. و «تنصرون» بمعنى تمنعون.
واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم قد بيناه في قوله عز وجل: يأخذوا بأحسنها «2» .
[سورة الزمر (39) : الآيات 56 الى
59]</span>
أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56) أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58) بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59)
قوله تعالى: أن تقول نفس قال المبرد: المعنى: بادروا قبل أن تقول نفس، وحذرا من أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها هذا القول. ومعنى يا حسرتى يا PageV04P023
ندامتا ويا حزنا. والتحسر: الاغتمام على ما فات. والألف في «يا حسرتا» هي ياء المتكلم، والمعنى:
يا حسرتي، على الإضافة. قال الفراء: والعرب تحول الياء إلى الألف في كل كلام معناه الاستغاثة ويخرج على لفظ الدعاء، وربما أدخلت العرب الهاء بعد هذه الألف، فيخفضونها مرة، ويرفعونها أخرى. وقرأ الحسن، وأبو العالية، وأبو عمران، وأبو الجوزاء: «يا حسرتي» بكسر التاء، على الإضافة إلى النفس. وقرأ معاذ القارئ، وأبو جعفر: «يا حسرتاي» ، بألف بعد التاء وياء مفتوحة، قال الزجاج:
وزعم الفراء أنه يجوز «يا حسرتاه على كذا» بفتح الهاء، و «يا حسرتاه» بالضم والكسر، والنحويون أجمعون لا يجيزون أن تثبت هذه الهاء مع الوصل.
قوله تعالى: في جنب الله فيه خمسة أقوال: أحدها: في طاعة الله تعالى، قاله الحسن.
والثاني: في حق الله، قاله سعيد بن جبير. والثالث: في أمر الله، قاله مجاهد، والزجاج. والرابع: في ذكر الله، قاله عكرمة، والضحاك. والخامس: في قرب الله روي عن الفراء أنه قال: الجنب: القرب، أي: في قرب الله وجواره، يقال: فلان يعيش في جنب فلان، أي: في قربه وجواره فعلى هذا يكون المعنى: على ما فرطت في طلب قرب الله تعالى، وهو الجنة.