والثاني: أنها تعود إلى السبيل، قاله ابن عباس. قال ابن قتيبة: وخفض «المسجد الحرام» نسقا على:
سبيل الله، كأنه قال: وصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام. قوله تعالى: وإخراج أهله منه لما آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه اضطروهم إلى الخروج فكأنهم أخرجوهم، فأعلمهم الله أن هذه الأفعال أعظم من قتل كل كافر. «والفتنة» هاهنا بمعنى الشرك، قاله ابن عمر، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير، وقتادة، والجماعة. والفتنة في القرآن على وجوه كثير، قد ذكرتها في كتاب «النظائر» . ولا يزالون، يعني الكفار، يقاتلونكم يعني: المسلمين. وحبطت بمعنى: بطلت.
[سورة البقرة (2) : آية
218]</span>
إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم (218)
قوله تعالى: إن الذين آمنوا والذين هاجروا، في سبب نزولها قولان: أحدهما: أنه لما نزل القرآن بالرخصة لأصحاب عبد الله بن جحش في قتل ابن الحضرمي، قال بعض المسلمين: ما لهم أجر، فنزلت هذه الآية «1» ، وقد ذكرنا هذا في سبب نزول قوله تعالى: يسئلونك عن الشهر الحرام، عن جندب بن عبد الله. والثاني: أنه لما نزلت لهم الرخصة قاموا، فقالوا: يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزاة نعطى فيها أجر المجاهدين، فنزلت هذه الآية «2» ، قاله ابن عباس. وقال: هاجروا من مكة إلى المدينة، وجاهدوا في طاعة الله ابن الحضرمي وأصحابه. ورحمت الله: مغفرته وجنته. قال الشعبي: أول لواء عقد في الإسلام لواء عبد الله بن جحش، وأول مغنم قسم في الإسلام: مغنمه.
[سورة البقرة (2) : آية 219]
يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219)
قوله تعالى: يسئلونك عن الخمر والميسر، في سبب نزولها قولان:
(99) أحدهما: أن عمر بن الخطاب قال: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت هذه الآية.
(100) والثاني: أن جماعة من الأنصار جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم عمر، ومعاذ، فقالوا: أفتنا PageV01P183
في الخمر، فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت هذه الآية.
وفي تسمية الخمر خمرا ثلاثة أقوال: أحدها: أنها سميت خمرا، لأنها تخامر العقل، أي:
تخالطه. والثاني: لأنها تخمر العقل، أي: تستره. والثالث: أنها تخمر، أي: تغطى. ذكر هذه الأقوال محمد بن القاسم. وقال الزجاج: الخمر في اللغة: ما ستر على العقل، يقال: دخل فلان في خمار الناس، أي: في الكثير الذي يستتر فيهم، وخمار المرأة قناعها، سمي خمارا لأنه يغطي. قال: والخمر هاهنا في المجمع عليها، وقياس كل ما عمل عملها أن يقال له: خمر، وأن يكون في التحريم بمنزلتها، لأن العلماء أجمعوا على أن القمار كله حرام، وإنما ذكر الميسر من بينه، وجعل كله قياسا على الميسر، والميسر إنما يكون قمارا في الجزر «1» خاصة. فأما الميسر، فقال ابن عباس، وابن عمر، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة في الآخرين: هو القمار. قال ابن قتيبة: يقال: يسرت: إذا ضربت بالقداح، ويقال للضارب بالقداح: ياسر وياسرون، ويسر وأيسار. وكان أصحاب الثروة والأجواد في الشتاء عند شدة الزمان وكلبه ينحرون جزورا ويجزئونها أجزاء ثم يضربون عليها بالقداح فاذا قمر القامر، جعل ذلك لذوي الحاجة والمسكنة، وهو النفع الذي ذكره الله تعالى، وكانوا يتمادحون بأخذ القداح، ويتسابون بتركها ويعيبون من لا ييسر.