قوله تعالى: فإنها يعني الأفعال المذكورة، من اجتناب الرجس وقول الزور، وتعظيم الشعائر. وقال الفراء: «فإنها» يعني الفعلة من تقوى القلوب، وإنما أضاف التقوى إلى القلوب، لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب. قوله تعالى: ثم محلها أي: حيث يحل نحرها إلى البيت يعني:
عند البيت، والمراد به: الحرم كله «2» ، لأنا نعلم أنها لا تذبح عند البيت، ولا في المسجد، هذا على القول الاول، وعلى الثاني، يكون المعنى: ثم محل الناس من إحرامهم إلى البيت، وهو أن يطوفوا به بعد قضاء المناسك.
[سورة الحج (22) : الآيات 34 الى
35]</span>
ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35)
قوله تعالى: ولكل أمة جعلنا منسكا قرأ حمزة، والكسائي، وبعض أصحاب أبي عمرو بكسر السين، وقرأ الباقون بفتحها: فمن أراد المصدر، من نسك ينسك، ومن كسر أراد مكان النسك كالمجلس والمطلع. ومعنى الآية: لكل جماعة مؤمنة من الأمم السالفة جعلنا ذبح القرابين ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وإنما خص بهيمة الأنعام، لأنها المشروعة في القرب.
والمراد من الآية: أن الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة، وأن التسمية عليها كانت مشروعة قبل هذه الأمة. قوله تعالى: فإلهكم إله واحد: لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم سواه فله أسلموا أي:
انقادوا واخضعوا. وقد ذكرنا معنى الإخبات في سورة هود «3» . وكذلك ألفاظ الآية التي تلي هذه. PageV03P236
[سورة الحج (22) : الآيات 36 الى
37]</span>
والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37)
قوله تعالى: والبدن وقرأ الحسن، وابن يعمر برفع الدال. قال الفراء: يقال: بدن وبدن، والتخفيف أجود وأكثر، لأن كل جمع كان واحده على «فعلة» ثم ضم أول جمعه، خفف، مثل: أكمة وأكم، وأجمة وأجم، وخشبة وخشب. وقال الزجاج: «البدن» منصوبة بفعل مضمر يفسره الذي ظهر، والمعنى: وجعلنا البدن وإن شئت رفعتها على الإستئناف، والنصب أحسن ويقال: بدن وبدن وبدنة، مثل قولك: ثمر وثمر وثمرة وإنما سميت بدنة، لأنها تبدن، أي: تسمن.
وللمفسرين في البدن قولان: أحدهما: أنها الإبل والبقر، قاله عطاء. والثاني: الإبل خاصة، حكاه الزجاج، وقال: الأول قول أكثر فقهاء الأمصار. قال القاضي أبو يعلى: البدنة: اسم يختص الإبل في اللغة، والبقرة تقوم مقامها في الحكم.
(1008) لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة.
قوله تعالى: جعلناها لكم من شعائر الله أي: جعلنا لكم فيها عبادة لله، من سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها «1» ، ونحرها، والإطعام منها، لكم فيها خير وهو النفع في الدنيا والأجر في الآخرة، فاذكروا اسم الله عليها أي: على نحرها، صواف وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة:
«صوافن» بالنون. وقرأ الحسن، وأبو مجلز، وأبو العالية، والضحاك، وابن يعمر: «صوافي» بالياء.