أحدهما: أنه لما جرى ذكر السلام قبل هذا الموضع بغير ألف ولام، كان الأحسن أن يرد ثانية بألف ولام، هذا قول الزجاج. وقد اعترض على هذا القول، فقيل: كيف يجوز أن يعطف هذا وهو قول عيسى، على الأول وهو قول الله عز وجل؟! وقد أجاب عنه ابن الأنباري فقال: عيسى إنما يتعلم من ربه، فيجوز أن يكون سمع قول الله في يحيى، فبنى عليه وألصقه بنفسه، ويجوز أن يكون الله عز وجل عرف السلام الثاني لأنه أتى بعد سلام قد ذكره، وأجراه عليه غير قاصد به إتباع اللفظ المحكي، لأن المتكلم، له أن يغير بعض الكلام الذي يحكيه، فيقول: قال عبد الله: أنا رجل منصف، يريد: قال لي عبد الله: أنت رجل منصف. والجواب الثاني: أن سلاما والسلام لغتان بمعنى واحد، ذكره ابن الأنباري.
[سورة مريم (19) : الآيات 34 الى
36]</span>
ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) PageV03P130
قوله تعالى: ذلك عيسى ابن مريم قال الزجاج: أي، ذلك الذي قال: إني عبد الله، هو ابن مريم، لا ما تقول النصارى: إنه ابن الله، وإنه إله. قوله تعالى: قول الحق قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي: «قول الحق» برفع اللام. وقرأ عاصم، وابن عامر، ويعقوب بنصب اللام. قال الزجاج: من رفع «قول الحق» فالمعنى: هو قول الحق، يعني هذا الكلام ومن نصب، فالمعنى: أقول قول الحق. وذكر ابن الأنباري في الآية وجهين: أحدهما: أنه لما وصف بالكلمة جاز أن ينعت بالقول. والثاني: أن في الكلام إضمارا، تقديره: ذلك نبأ عيسى، ذلك النبأ قول الحق. قوله تعالى: الذي فيه يمترون أي: يشكون. قال قتادة: امترت اليهود فيه والنصارى، فزعم اليهود أنه ساحر، وزعم النصارى أنه ابن الله وثالث ثلاثة. قرأ أبو مجلز، ومعاذ القارئ، وابن يعمر، وأبو رجاء:
«تمترون» بالتاء.
قوله تعالى: ما كان لله أن يتخذ من ولد قال الزجاج: المعنى: أن يتخذ ولدا. و «من» مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة، لأن للقائل أن يقول: ما اتخذت فرسا، يريد: اتخذت أكثر من ذلك، وله أن يقول: ما اتخذت فرسين ولا أكثر، يريد: اتخذت فرسا واحدا فإذا قال: ما اتخذت من فرس، فقد دل على نفي الواحد والجميع. قوله تعالى: كن فيكون وقرأ أبو عمران الجوني، وابن أبي عبلة:
«فيكون» بالنصب، وقد ذكرنا وجهه في سورة البقرة «1» .
قوله تعالى: وإن الله ربي وربكم قرأ ابن كثير، ونافع وأبو عمرو: «وأن الله» بنصب الألف، وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «وإن الله» بكسر الألف. وهذا من قول عيسى فمن فتح، عطفه على قوله: وأوصاني بالصلاة والزكاة وبأن الله ربي ومن كسر، ففيه وجهان: أحدهما:
أن يكون معطوفا على قوله: إني عبد الله. والثاني: أن يكون مستأنفا.