قوله تعالى: ويقولون سبحان ربنا نزهوا الله تعالى عن تكذيب المكذبين بالقرآن، وقالوا: إن كان وعد ربنا بإنزال القرآن وبعث محمد صلى الله عليه وسلم لمفعولا واللام دخلت للتوكيد. وهؤلاء قوم كانوا يسمعون أن الله باعث نبيا من العرب، ومنزل عليه كتابا، فلما عاينوا ذلك، حمدوا الله تعالى على إنجاز الوعد، ويخرون للأذقان كرر القول ليدل على تكرار الفعل منهم. ويزيدهم خشوعا أي: يزيدهم القرآن تواضعا. وكان عبد الأعلى التيمي يقول: من أوتي من العلم ما لا يبكيه، لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه، لأن الله تعالى نعت العلماء فقال: إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا إلى قوله تعالى: يبكون «1» . PageV03P059
[سورة الإسراء (17) : الآيات 110 الى 111]
قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا (111)
قوله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن الآية. هذه الآية نزلت على سببين، نزل أولها إلى قوله تعالى: الحسنى على سبب، وفيه ثلاثة أقوال «1» :
(922) أحدها: أن رسول الله تهجد ذات ليلة بمكة، فجعل يقول في سجوده: «يا رحمن، يا رحيم» ، فقال المشركون: كان محمد يدعو إلها واحدا، فهو الآن يدعو إلهين اثنين: الله، والرحمن، ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون: مسيلمة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، قاله ابن عباس.
(923) والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب في أول ما أوحي إليه: باسمك اللهم، حتى نزل:
إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم «2» فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مشركو العرب: هذا الرحيم نعرفه، فما الرحمن؟ فنزلت هذه الآية، قاله ميمون بن مهران.
(924) والثالث: أن أهل الكتاب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك.
فأما قوله تعالى: ولا تجهر بصلاتك. فنزل على سبب، وفيه ثلاثة أقوال:
(925) أحدها: أن رسول الله كان يرفع صوته بالقرآن بمكة فيسب المشركون القرآن ومن أتى به PageV03P060
بخفض رسول الله صوته بعد ذلك حتى لم يسمع أصحابه، فأنزل الله تعالى ولا تجهر بصلاتك. أي:
بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت بها عن أصحابك، فلا يسمعون، قاله ابن عباس.
(926) والثاني: أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته، فنزلت هذه الآية، هذا قول عائشة.
(927) والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة عند الصفا، فجهر بالقرآن في صلاة الغداة، فقال أبو جهل: لا تفتر على الله، فخفض النبي صلى الله عليه وسلم صوته، فقال أبو جهل للمشركين: ألا ترون ما فعلت بابن أبي كبشة؟! رددته عن قراءته، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل.
فأما التفسير، فقوله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن المعنى: إن شئتم فقولوا: يا ألله، وإن شئتم فقولوا: يا رحمن، فانهما يرجعان إلى واحد، أيا ما تدعوا المعنى: أي أسماء الله تدعوا قال الفراء: و «ما» قد تكون صلة، كقوله تعالى: عما قليل ليصبحن نادمين «1» ، وتكون في معنى: «أي» معادة لما اختلف لفظهما.