لا أرينك في هذا الموضع.
قوله تعالى: إذا لأذقناك المعنى: لو فعلت ذلك الشيء القليل لأذقناك ضعف الحياة أي: ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، ومثله قول الشاعر:
واستب بعدك يا كليب المجلس «2»
أي: أهل المجلس. وقال ابن عباس: ضعف عذاب الدنيا والآخرة. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكنه تخويف لأمته، لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه.
قوله تعالى: وإن كادوا ليستفزونك من الأرض في سبب نزولها قولان «3» :
(910) أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، حسدته اليهود على مقامه بالمدينة، وكرهوا PageV03P043
قربه، فقالوا: يا محمد أنبي أنت؟ قال: نعم، قالوا: فو الله لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء، وإن أرض الأنبياء الشام، فان كنت نبيا فائت الشام، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشخص عن المدينة، فنزلت هذه الآية. وقال عبد الرحمن بن غنم: لما قالت له اليهود هذا، صدق ما قالوا، وغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك، نزلت هذه الآية «1» .
(911) والثاني: أنهم المشركون أهل مكة هموا باخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فأمره الله بالخروج، وأنزل هذه الآية إخبارا عما هموا به، قاله الحسن، ومجاهد. وقال قتادة: هم أهل مكة باخراجه من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نوظروا، ولكن الله كفهم عن إخراجه حتى أمره بالخروج. وقيل:
ما لبثوا بعد ذلك حتى بعث الله عليهم القتل ببدر.
فعلى القول الأول، المشار إليهم: اليهود، والأرض: المدينة. وعلى الثاني: هم المشركون، والأرض: مكة، وقد ذكرنا معنى «الاستفزاز» آنفا «2» ، وقيل: المراد به ها هنا: القتل، ليخرجوه من الأرض كلها، روي عن الحسن.
قوله تعالى: وإذا لا يلبثون خلافك قرأ أبن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم:
«خلفك» . وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: «خلافك» . قال الأخفش «خلافك» في معنى خلفك، والمعنى: لا يلبثون بعد خروجك إلا قليلا أي: لو أخرجوك لا ستأصلناهم بعد خروجك بقليل، وقد جازاهم الله على ما هموا به، فقتل صناديد المشركين ببدر، وقتل من اليهود بني قريظة، وأجلى النضير. وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا يلبثون على خلافك ومخالفتك، فسقط حرف الخفض. وقرأ أبو رزين، وأبو المتوكل: «خلافك» بضم الخاء، وتشديد اللام، ورفع الفاء. قوله تعالى: سنة من قد أرسلنا قال الفراء: نصب السنة على العذاب المضمر، أي: يعذبون كسنتنا فيمن أرسلنا. وقال الأخفش: المعنى: سنها سنة. وقال الزجاج: انتصب بمعنى PageV03P044
«لا يلبثون» وتأويله: إنا سننا هذه السنة فيمن أرسلنا قبلك أنهم إذا أخرجوا نبيهم أو قتلوه، لم يلبث العذاب أن ينزل بهم.