فهو في الآخرة أعمى ولم يقل: أشد عمى، لأن العمى خلقة بمنزلة الحمرة، والزرقة، والعرب تقول:
ما أشد سواد زيد، وما أبين زرقة عمرو، وقلما يقولون: ما أسود زيدا، وما أزرق عمرا؟ فالجواب: أن PageV03P041
المراد بهذا العمى عمى القلب، وذلك يتزايد ويحدث منه شيء بعد شيء، فيخالف الخلق اللازمة التي لا تزيد، نحو عمى العين، والبياض، والحمرة، ذكره ابن الأنباري.
[سورة الإسراء (17) : الآيات 73 الى
77]</span>
وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73) ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا (76) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77)
قوله تعالى: وإن كادوا ليفتنونك في سبب نزولها أربعة أقوال «1» :
(906) أحدها: أن وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: متعنا باللات سنة، وحرم وادينا كما حرمت مكة، فأبى ذلك، فأقبلوا يكثرون مسألتهم، وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن خشيت أن يقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم ودخلهم الطمع، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا: أجلنا سنة، ثم نسلم ونكسر أصنامنا، فهم أن يؤجلهم، فنزلت هذه الآية.
(907) والثاني: أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نكف عنك إلا بأن تلم بآلهتنا، ولو بأطراف أصابعك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما علي لو فعلت والله يعلم إني لكاره» ؟ فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، وهذا باطل لا يجوز أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة، وكل ذلك محال في حقه وفي حق الصحابة أنهم رووا عنه.
(908) والثالث: أن قريشا خلوا برسول الله ليلة إلى الصباح يكلمونه ويفخمونه، ويقولون: أنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، ونزلت هذه الآية، قاله قتادة. PageV03P042
(909) والرابع: أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اطرد عنك سقاط الناس، ومواليهم، وهؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وذلك أنهم كانوا يلبسون الصوف، حتى نجالسك ونسمع منك، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يستدعي به إسلامهم، فنزلت هذه الآيات. حكاه الزجاج قال: ومعنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت «إن» واللام للتوكيد. قال المفسرون: وإنما قال: ليفتنونك، لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن.
قوله تعالى: لتفتري أي: لتختلق علينا غيره وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك، وإذا لو فعلت ذلك لاتخذوك خليلا أي: والوك وصافوك.
قوله تعالى: ولولا أن ثبتناك على الحق، لعصمتنا إياك لقد كدت تركن إليهم أي:
هممت وقاربت أن تميل إلى مرادهم شيئا قليلا قال ابن عباس: وذلك حين سكت عن جوابهم، والله أعلم بنيته. وقال ابن الأنباري: الفعل في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي الباطن للمشركين، وتقديره: لقد كادوا يركنونك إليهم، وينسبون إليك ما يشتهونه مما تكرهه، فنسب الفعل إلى غير فاعله عند أمن اللبس، كما يقول الرجل للرجل: كدت تقتل نفسك اليوم، يريد: كدت تفعل فعلا يقتلك غيرك من أجله فهذا المجاز والاتساع وشبيه بهذا قوله تعالى: فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون «1» ، وقول القائل: