بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فضلنا على الأمم بغزارة العلوم، ورزقنا ما لم يرزقهم من قوة الفهوم، وصلى الله على نبينا محمد البالغ من الشرف أقصى المبروم، وعلى أصحابه وأتباعه صلاة تدوم، أما بعد:
فان الله عز وجل من علينا بالقرآن وحفظه من تبديل وتحريف، وبالسنة التي أنشأ لها علماء يحرسونها عن تجزيف، وباستخراج الفقه منهما وهو العلم الشريف، غير أنه لا يحصل إلا لمن حفظ القرآن والسنة ورزق الفهم اللطيف، وقد كان علماء السلف لا ينصبون أنفسهم للفتوى إلا بعد استكمال شروطها، فكانوا يحفظون القرآن، ويعرفون ناسخه من منسوخه، ومحكمه من متشابهه، وخاصه من عامه، ويوغلون في علومه ويحفظون اللغة العربية والأحاديث المروية، وينظرون في عدالة نقلتها؛ فيميزون صحيحها من سقيمها، وناسخها من منسوخها، ويوغلون في علوم لا تلزم لخوف أن تتعلق بما يلزم.
(1) أخبرنا عبد الحق بن عبد الخالق، أنا محمد بن مرزوق الزعفراني، [ص: 52] أنا أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، أنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي وعلي بن أبي علي البصري قالا: أنا علي بن عبد العزيز البرذعي، نا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا أبي، قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى قال: قال محمد بن إدريس الشافعي (رحمه الله) : ((الأصل: القرآن والسنة، فان لم يكن، فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصح الإسناد منه: فهو سنة، والإجماع [ص: 60] أكبر من الخبر المنفرد، [والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني: فما أشبه منها ظاهر الأحاديث أولاها به] ، وإذا تكافأت الأحاديث، فأصحها [ص: 61] -إسنادا- أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب.
(2) أخبرنا عبد الحق، نا ابن مرزوق، أنا أحمد بن علي، أنا إبراهيم بن عمر البرمكي، (ح) وأنبأنا محمد بن عبد الباقي، عن البرمكي، أنا محمد بن عبد الله بن خلف، نا عمر بن محمد الجوهري، نا أبو بكر [ص: 68] الأثرم، قال: رأيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل رضي الله عنه إذا كان في المسألة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث لم يأخذ فيها بقول أحد من الصحابة [ولا من بعده خلافه] ، وإذا كان في المسألة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول مختلف تخير من أقاويلهم ولم يخرج عن أقاويلهم إلى [قول] من بعدهم، وإذا لم يكن [فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه قول] تخير من أقاويل التابعين، وربما كان الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي إسناده شيء فيأخذ به إذا لم يجئ خلافه أثبت منه، مثل حديث عمرو بن شعيب و [مثل حديث] إبراهيم الهجري، وربما أخذ ب[الحديث] المرسل ما لم يجئ خلافه.
(3) أخبرنا عبد الحق، أنا ابن مرزوق، نا أحمد بن علي بن ثابت الخطيب رحمه الله، قال: أصول الأحكام في الشرع أربعة: الأول: العلم بكتاب الله عز وجل وما تضمنه من الأحكام محكما ومتشابها، وعموما وخصوصا، ومجملا ومفسرا، وناسخا ومنسوخا.
والثاني: العلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة من أقواله وأفعاله، وطرقها في التواتر والآحاد، والصحة والفساد، وما كان منها على سبب وإطلاق.
والثالث: العلم بأقاويل السلف فيما أجمعوا عليه واختلفوا فيه، ليتبع الإجماع ويجتهد في الرأي مع الاختلاف.