بسم الله الرحمن الرحيم
المجلس الأول في ذكر آدم عليه الصلاة والسلام
الحمد لله الذي سير بقدرته الفلك والفلك، ودبر بصنعته النور والحلك، اختار آدم فحسده الشيطان وغبطه الملك، وافتخروا بالتسبيح والتقديس فأما إبليس فهلك {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} تعالى عن وزير، وتنزه عن نظير، قبل من خلقه اليسير، وأعطى من رزقه الكثير، أنشأ السحاب الغزير يحمل الماء النمير ليعم عباده بالخير ويمير، فكلما قصر القطر في الوقع صاح الرعد بصوت الأمير، وكلما أظلمت مسالك الغيث لاح البرق يوضح وينير، فقامت الورق على الورق تصدح بالمدح على جنبات الغدير، فالجماد ينطق بلسان حاله، والنبات يتكلم بحركاته وبأشكاله، والكل إلى التوحيد يشير، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
أحمده وهو بالحمد جدير وأقر بأنه مالك التصوير والتصبير.
وأصلي على محمد رسوله البشير النذير، وعلى صاحبه أبي بكر الصديق وعلى عمر ذي العدل العزير، وعلى عثمان مجهز جيش العسرة في الزمان العسير، وعلى علي المخصوص بالموالاة يوم الغدير، وعلى عمه العباس المستسقى به الماء النمير، [جد سيدنا الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين أدام الله أيامه إدامة رضوى وثبير] .
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وألهمنا القيام بحقك وبارك لنا في الحلال
من رزقك، وعد علينا في كل حال برفقك، وانفعني بما أقول والحاضرين من خلقك برحمتك يا أرحم الراحمين.
قال الله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} .
" إذ " كلمة جعلت لما مضى من الأوقات، فكأنه قال اذكر ذلك الوقت. والملائكة واحدهم ملك والأصل ملأك وأنشد سيبويه:
(فلست بإنسي ولكن لملأك ... تنزل من جو السما يصوب)
ومعنى ملأك: صاحب رسالة. يقال مألكة وملأكة.
واختلف العلماء ما المقصود بإعلام الملائكة بخلق آدم عليه السلام على تسعة أقوال:
أحدها: أنه أراد إظهار كبر إبليس، وكان ذلك قد خفي على الملائكة لما يرون من تعبده. رواه الضحاك، عن ابن عباس.
والثاني: ليبلو طاعة الملائكة، قاله الحسن.
والثالث: أنه لما خلق الله تعالى النار جزعت الملائكة، فقال: هذه لمن عصاني فقالوا: أو يأتي علينا زمان نعصيك فيه؟ فأخبرهم بخلق غيرهم. قاله ابن زيد.
والرابع: أنه أراد إظهار عجزهم عما يعلمه لأنهم قاسوا على حال من كان قبل آدم.
والخامس: أن الملائكة التي طردت الجن من الأرض قبل آدم أقاموا في الأرض يعبدون، فأخبرهم أني جاعل في الأرض خليفة ليوطنوا أنفسهم على العزل.
والسادس: أنهم ظنوا أن الله لا يخلق خلقا أكرم منهم، فأخبرهم بما يخلق.
والسابع: أنه أعلمهم بما سيكون ليعلموا علمه بالحادثات.
والثامن: أنه أراد تعظيم آدم بذكره قبل وجوده.
والتاسع: أنه أعلمهم أنه خلقه ليسكنه الأرض وإن كان ابتداء خلقه في السماء.
والخليفة: القائم مقام غيره. يقال: خلف الخليفة خلافة وخليفي، وعلى وزن
ذلك أحرف منها: خطيبي من الخطبة، ورديدي من الرد، ودليلي من الدلالة، وحجيزي من حجزت، وهزيمي من هزمت.
قال أبو بكر ابن الأنباري: والأصل في الخليفة: خليف فدخلت الهاء للمبالغة في مدحه بهذا الوصف كما قالوا علامة ونسابة وراوية.
وفي معنى خلافته قولان: أحدهما: خليفة عن الله تعالى في إقامة شرعه. روى عن ابن عباس ومجاهد.