بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد لله الذي نوع أقسام العلوم، وفاوت مقادير الإدراك والفهوم، وباين بين العقول والحلوم، وأقام المتيقظ ينبه النؤوم، أحمده حمدا يستمر ويدوم، وأعترف بأنه الحي القيوم، وأصلي على رسوله محمد أشرف خاتم لخير مختوم، وعلى أصحابه وأتباعه إلى أن يجتمع الخلق لل
فصل
ويقوم، وأسلم تسليما كثيرا.
سأل سائل فقال: نرى كلام السلف يختلف في مدح القصاص وذمهم. فبعضهم يحرض على الحضور عندهم، وبعضهم ينهى عن ذلك. ونحن نسأل أن تذكر لنا فصلا يكون فصلا لهذا الأمر. فأجبت - والله الموفق - أنه لا بد من كشف حقيقة هذا الأمر ليبين المحمود منه والمذموم.
فأقول - وبالله التوفيق -: إن لهذا الفن ثلاثة أسماء: قصص، وتذكير، ووعظ. فيقال: قاص، ومذكر، وواعظ.
فالقاص هو الذي يتبع القصة الماضية بالحكاية عنها والشرح لها وذلك القصص. وهذا في الغالب عبارة عمن يروي أخبار الماضين. وهذا لا يذم لنفسه، لأن في إيراد أخبار السالفين عبرة لمعتبر، وعظة لمزدجر، واقتداء
بصواب لمتبع وقد قال الله عز وجل: (نحن نقص عليك أحسن القصص) . وقال: (إن هذا لهو القصص الحق) .
وإنما كره بعض السلف القصص لأحد ستة أشياء:
أحدها أن القوم كانوا على الاقتداء والاتباع، فكانوا إذا رأوا ما لم يكن على عهد رسول الله أنكروه حتى أن أبا بكر وعمر لما أرادا جمع القرآن قال زيد: أتفعلان شيئا لم يفعله رسول الله؟ .
والثاني أن القصص لأخبار المتقدمين تندر صحته، خصوصا ما ينقل عن بني إسرائيل، وفي شرعنا غنية. وقد جاء عمر بن الخطاب بكلمات من التوراة إلى رسول الله، فقال له: أمطها عنك يا عمر! خصوصا إذ قد علم ما في الإسرائيليات من المحال، كما يذكرون أن داود - عليه السلام
- بعث أوريا حتى قتل وتزوج امرأته، وأن يوسف حل سراويله عند زليخا. ومثل هذا محال تتنزه الأنبياء عنه، فإذا سمعه الجاهل هانت عنده المعاصي وقال: ليست معصيتي بعجب.
والثالث أن التشاغل بذلك يشغل عن المهم من قراءة القرآن، ورواية الحديث، والتفقه في الدين.
والرابع أن في القرآن من القصص وفي السنة من العظة ما يكفي عن غيره مما لا تتيقن صحته.
والخامس أن أقواما ممن يدخل في الدين ما ليس منه قصوا. فأدخلوا في قصصهم ما يفسد قلوب العوام.
والسادس أن عموم القصاص لا يتحرون الصواب ولا يحترزون من الخطأ لقلة علمهم وتقواهم.
فلهذا كره القصص من كرهه. فأما إذا وعظ العالم، وقص من يعرف الصحيح من الفاسد؛ فلا كراهة.