باب ذكر آي1 في سورة البقرة في ذلك
الآية الأولى: قوله تعالى {ومما رزقناهم ينفقون} 2 قال مجاهد3 هي نفقة النقل وقال آخرون هي الزكاة وتحتمل العموم فالآية محكمة4 وزعم بعضهم أنها نفقة كانت واجبة قبل الزكاة وزعم أنه كان فرض أن يمسك مما في يده قدر كفاية يومه وليلته ويفرق الباقي على الفقراء ثم نسخ ذلك بآية الزكاة5 وهو بعيد.
الثانية: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} 6 زعم قوم إنها منسوخة بقوله {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه} 7 وهذا لا يصح لأنه إن8 أشير إلى من كان في زمن نبي تابعا لنبيه قبل بعثة نبي آخر فأولئك على الصواب.
وإن أشير إلى من كان في زمن نبينا فإن من ضرورته أن يؤمن بنبينا عليه السلام ولا وجه للنسخ ويؤكده أنها خبر والخبر لا ينسخ9. PageV01P014
الثالثة: {بلى من كسب سيئة} 1 الجمهور على أن المراد بها الشرك فلا يتوجه النسخ وقيل الذنوب دون الشرك فيتوجه بقوله {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} 2 ويمكن حمله على من أتى السيئة مستحلا فلا نسخ3.
الرابعة: {وقولوا للناس حسنا} 4 قيل الخطاب لليهود فالتقدير من ساءلكم عن بيان محمد فاصدقوه وقيل أي كلموهم بما تحبون أن يقال لكم فعلى هذا الآية محكمة وقيل المراد بذلك مساهلة المشركين في دعائهم5 إلى الإسلام فالآية عند هؤلاء6 منسوخة بآية السيف7 وفيه بعد لأن لفظ الناس عام فتخصيصه بالكفار8 يحتاج إلى دليل.
الخامسة: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} 9 زعم قوم PageV01P015
أنها منسوخة بآية السيف1 وليس بصحيح لأنه لم يأمر بالعفو مطلقا بل إلى غاية ومثل هذا لا يدخل في المنسوخ.
السادسة: {فأينما تولوا فثم وجه الله} 2 ذهب بعضهم إلى أن هذه الآية اقتضت جواز التوجه إلى جميع الجهات فاستقبل رسول الله بيت المقدس ليتألف أهل الكتاب ثم نسخت بقوله {فول وجهك شطر المسجد الحرام} 3 فإنما يصح القول بنسخها إذا قدر فيها إضمار تقديره فولوا وجوهكم في الصلاة أنى شئتم ثم ينسخ ذلك القدر. والصحيح4 أنها محكمة لأنها أخبرت أن الإنسان أين تولى فثم وجه الله ثم ابتدأ الأمر بالتوجه إلى الكعبة لا على وجه النسخ5.
السابعة: {ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم} 6 قال بعضهم هذا يقتضي نوع مساهلة الكفار ثم نسخ بآية السيف7 وهو بعيد لأن من شرطها التنافي ولا تنافي وأيضا فإنه خبر.
الثامنة: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى} 8. زعم PageV01P016
بعض من قل فهمه أنها نسخت بالاستثناء بعدها1 وهذا لا يلتفت إليه وذلك كلما أتى من هذا الجنس فإن الاستثناء إخراج بعض ما شمله اللفظ وليس بناسخ.
التاسعة: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر} 2. ذهب بعضهم إلى أن دليل الخطاب منسوخ لأنه لما قال {الحر بالحر} اقتضى أنه لا يقتل العبد بالحر وكذا لما قال {والأنثى بالأنثى} اقتضى أن لا يقتل الذكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب فذلك منسوخ بقوله {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} 3 وهذا ليس بشيء يعول عليه لوجهين أحدهما أنه إنما ذكر في المائدة ما كتبه أهل التوراة وذلك لا يلزمنا فإن قيل شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يثبت نسخه وخطابنا بعد خطابهم قد ثبت النسخ فتلك الآية أولى أن تكون منسوخة بهذه من هذه بتلك والثاني أن دليل الخطاب إنما يكون حجة ما لم يعارضه دليل أقوى منه وقد ثبت بلفظ الآية أن الحر يوازي الحرة فلأن يوازي العبد أولى4.