مقدمة المؤلف
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي قدم الإنذار على التعذيب, وعلم أطباء العلم كيفية الرياضة والتهذيب, وصلى الله على أشرف سائس, وأعلم طبيب محمد المبعوث إلى البعيد والقريب, وعلى أصحابه وأتباعه.
أما بعد.. فإني رأيت القصاص قد تركوا ما يصلح ذكره في المجالس من التخويف والترهيب, وأخذوا في زخارف باطلة فإن ذكروا حديثا فالغالب أنه كذب فإن كان صحيحا فالغالب أنهم يزيدون فيه ما ليس منه, وهمهم برونق المجلس كيف اتفق, فيخرج السامعون وما نهوا عن ذنب, ولا خشع لهم قلب, فإن أفلح القاص قال لهم: رحمة الله واسعة, ولا يذكر أنه شديد العقاب.
ومعلوم أن الواعظ طبيب لأمراض الذنوب, ومصلح لأمزجة القلوب, فإذا رأى يائسا مناه, أو آمنا خوفه, فهو يقاوم الأمراض بأضدادها, وإني رأيت الأمن وقلة الخوف ومساكنة الطمع أمراضا, قد استولت على النفوس فعلمت أنه ما ركب من الأدوية التخويف, لأنه إذا حدث الساكن بما يوجب السكون كان كمبرود أعطى برودة, فجمعت في هذا الكتاب من الأحاديث المخوفات, والمحذرات من السيئات, والواصفات للعقوبات, والحكايات المزعجات ما يقلق المطمئن, ويقلقل الساكن, ويلين القلب القاسي, ويجري الدمع الجامد وينهض المتكاسل المتقاعد.. والله الموفق.
واعلم أن جمهور العصاة اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه, ونسوا أنه شديد العقاب, وظنوا
أن رحمة الله من جنس الرقة فقاسوها برحمة الخلق, والآدمي إذا رأى عدوه يعذب رق له, ورحمة الله ليست من هذا الجنس.
وأما من طلب العفو مع الإصرار فهو كالمعاند المتهاون بالوعيد.
قال معروف الكرخي: (رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق) .
وقد قال بعض الحكماء: من قطع أشرف عضو منك في الدنيا بسرقة خمسة قراريط, فلا يأمن أن يكون عقابه في الآخرة على نحو هذا.
ومن عرف أن الخليل يسأل يوم القيامة في أبيه فلا يجاب, وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل في أمه فلم يقبل, فينبغي أن يكون على قلق, وإلى هذا المعنى أشار الحسن بقوله لما قيل له: نراك طويل البكاء؟ فقال: ((أخاف أن يطرحني في النار, ولا يبالي)) .
وقد يعاقب الإنسان على المحتقر فلهذا لزم تقديم التخويف.
(1) أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي المقري قال: أخبرنا طراد بن محمد الزينبي قال: أخبرنا علي بن محمد بن بشران قال: أخبرنا الحسين بن صفوان قال: ثنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي قال: حدثني أحمد بن إبراهيم عن علي بن شقيق عن ابن المبارك عن سعيد بن زيد قال: سمعت معلى بن زياد يقول: سأل المغيرة بن مخادش الحسن فقال: [ص: 30] ((يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يحدثونا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: أيها الشيخ, والله لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تدرك أمنا خيرا لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف)) .
(2) أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين قال: أخبرنا الحسين بن علي التميمي قال: أنبأ أبو بكر أحمد بن جعفر قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: ثنا يعلى بن عبيد قال: ثنا الأعمش عن أبي وائل عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
((يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه, فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه, فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان, ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف, وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف, ولا آتيه, وأنهاكم عن المنكر وآتيه)) . أخرجاه.