مقدمة المؤلف
قال الشيخ الإمام العالم الأوحد الصدر الكبير جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي رحمة الله عليه:
الحمد لله الذي أنشأ فأحسن الإنشاء، ثم قدم وأخر كما شاء، اختار من العالم الإنسي المرسلين والأنبياء، ثم ورثتهم الصالحين العلماء، ثم أجزل لبعضهم من الفضل العطاء، وصلى الله على محمد أشرف راكب نزل البيداء، وعلى أصحابه الذين نالوا بصحبته العلاء، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى أن يعيد الناقض البناء، وسلم تسليما كثيرا.
اعلموا إخواني- وفقكم الله- أن الله عز وجل فضل محمدا- صلى الله عليه وسلم- على سائر الخلق، وقدم أمته على جميع الأمم، وجعل سبب التفضيل العلم والعمل به، فمن سير حال نبينا عليه السلام علم فضله على جميع الأنبياء في العلم PageV01P003 # والعمل، ومن نظر في علوم أئمتنا رأي من علوم علمائهم ما يعجز عنه الأحبار، ومن عبادة متعبديهم ما يقصر عنه الرهبان، ولا نظر إلى صورة الترهبن، فإن التعبد بموافقة المشروع ومخالفة الهوى أشد وأعظم. فالعلم والعمل بحمد الله في أمتنا فاش كثير غير أني بحثت عن نائلي مرتبة الكمال في الأمرين- أعني العلم والعمل- من التابعين ومن بعدهم، فلم أجد من ثم له الأمران على الغاية التي لا يخدش وجه كمالها نوع نقص، سوى ثلاثة أشخاص: الحسن البصري، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل. وقد جمعت كتابا يحوي مناقب الحسن، وكتابا يجمع فضائل سفيان، ثم رأيت أحمد بن حنبل أولى بذلك منهما لأنه جمع من العلوم ما لم يجمعا، وحمل من الصبر على إقامة الحق ما لم يحملا، وإني رأيت جماعة قد جمعوا مناقبه؛ فمنهم من قصر فيما نقل، ومنهم من لم يرتب ما حصل، فرأيت أن أصرف بعض زمني إلى تهذيب كتاب يشتمل على مناقبه وآدابه، ليعرف المقتدي قدر من اقتدى به، والله الموفق. PageV01P004
فصل
وقد جعلت هذا الكتاب مئة باب وهذه