بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام، الحافظ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي الجوزي رحمه الله:
الحمد لله الذي جعل عمر الآدمي سفرا إلى الأخرى طويلا وقصيرا، فسار الناس ببضائع الأعمال، فربح المتيقظون ربحا كثيرا، وهلك المفرطون، فكل منهم عاد مسكينا فقيرا، عرضت لهم الشهوات في بر البر فصار الجاهل لها أسيرا، فجدله سبع الهوى فجندله، فلقي هونا وتغييرا، وكم حثه الشرع على الجد، كما يحث المستأجر أجيرا، {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} .
أحمده حمد من جعل حمده مصباحا وشهيرا، وأصلي على رسوله المبعوث بشيرا ونذيرا، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ورزقنا حسن اتباعه {وكان ربك قديرا} .
أما بعد: فإني رأيت العمر بضاعة للآدمي، فعجبت من تفريط الناس فيه، كأنهم ما علموا أن الدنيا ميدان شقاق، وأن غاية العمر الغاية، إلا أن التفاضل في السباق على مقدار الهم، وتفاوت الهمم على قدر الإيمان بالآخرة، فمن صدق يقينه جد، ومن تيقن طول الطريق استعد، ومن قلت معرفته تثبط، ومن لم يعرف المقصود تخبط.
وقد رتبت هذا الكتاب على ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في بيان شرف العمر والحث على اغتنامه في الخير.
الباب الثاني: في ذكر من كان يبادر العمر ويبالغ في حفظ لحظاته.
الباب الثالث: في ذكر سبب تضييع العمر.
الباب الأول في بيان شرف العمر والحث على اغتنامه في الخير
أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن الحصين، أنا أبو علي الحسن بن علي التميمي، أنا أبو بكر أحمد بن جعفر، ثنا عبد الله بن أحمد، حدثني أبي، ثنا مكي بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند، أنه سمع أباه يخبر عن ابن عباس، أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:)) إن الصحة والفراغ، نعمتان من نعم الله عز وجل، مغبون فيهما كثير من الناس)) .
قال أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، أنا عبد الله –يعني: ابن المبارك-، ثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله عز وجل الأماني)) .
أخبرنا الكروخي، أنا أبو عامر الأزدي، وأبو بكر الغورجي قالا: أنا ابن الجراح، ثنا ابن محبوب، ثنا الترمذي، ثنا أبو مصعب، عن محرز بن عون، عن عبد الرحمن الأعرج:
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بادروا بالأعمال سبعا: هل تنتظرون إلا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر)) .
أخبرنا هبة الله بن أحمد الجريري، أنا أبو طالب العشاري، [حدثنا أبو الحسين ابن سمعون، قال: حدثنا محمد بن مخلد العطار، قال: حدثنا عنبس بن إسماعيل، قال:] ابن سمعون –وهو جد أبي-، قال: حدثنا [أصرم] يعني ابن حوشب، ثنا قرة بن خالد، عن الضحاك، عن ابن عباس قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اليوم الرهان، وغدا السباق، والغاية الجنة، والهالك من دخل النار)) .
أخبرنا محمد بن ناصر، أنا المبارك بن عبد الجبار، ثنا إبراهيم بن عمر البرمكي بن بخيت، أنا أبو جعفر بن ذريح، ثنا هناد بن السري، ثنا محمد بن فضيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الله القرشي، عن عبد الله بن عكيم قال: