ومن المراثي
قوله من قصيدة في مرثية ملك العرب دبيس بن صدقة:
هبني كتمت لواعج البرحاء ... فمن المكتم عبرتي وبكائي؟
لاته عن قلقي، فإن تصبري ... فيما ألم مباين لوفائي
كيف التصبر، والهموم أسنة ... يخطرن بين حيازمي وحشائي؟
كيف التصبر، والرزية بالذي ... جلت رزيته عن الأرزاء؟
بمطارد الأيام في آماله ... كطراده في مأزق الهيجاء
والماليء الدنيا بذكر مناقب ... صرفن بين السير والإرساء
بفتى الندى والبأس والمرضي العلى ... في يوم مكرمة ويوم لقاء
بأبي الأغر، وأي كنية ماجد ... فقد الزمان، وأي خدن علاء!
من طالما شجع الردى، فأعاده ... من بأسه والرأي في الجبناء
وتجمعت غير الزمان، فردها ... مفلولة بأسنة الآراء
وتضايقات خطط به، فأباحها ... خدعا قضين لمخلص ونجاء
طرق النعي، فلم يكن لي مسمع ... يصغي إلى المكروهة الروعاء
وطفقت أتهم الحديث كغيره ... من سائر الأخبار والأنباء
فإذا الردى قد أمكنته غرة ... من قرنه، فجرى بلا إبقاء
لا طعم بعد أبي الأغر لحالة ... وإن اكتست من رونق وبهاء
صرعت لمصرعه المقاصد والمنى ... فالناس كلهم بغير رجاء
ترك الجنود بضيعة من بعده ... يمشون للأرزاق في عشواء
ما زال يعطيهم، ومن لم يعطه ... فرض العطاء له على الأعداء
فلتبكه البيض الصوارم والقنا ... والسابقات لواحق الأمطاء
وليبكه اليوم العصيب من الوغى ... ينزو بكل كتيبة حمساء
وليبكه رأد الصباح أعاده ... بطراده كالليلة الليلاء
وليبكه اللطف الذي لم تؤته ... خمر، ولم يرزقه صفو الماء
وتألف القلب الشديد بمنطق ... أغنى مؤمله عن الإعطاء
ومنها:
لله من ودعت يوم مراغة ... والدمع منحدر بغير رياء
أسفا على بعد المزار، وكيف لي ... ببعيد دار كافل ببقاء؟
أعددته لشدائدي، فأصابني ... من فقده بالشدة الصماء
هجر الجيوش، وحل بين كتائب ... مستسلمين لحادث وقضاء
سدكا برمس لا يريم، وطالما ... نحلت سوابقه من الإنضاء
ومنها في صفة الموتى:
في معشر أغضوا على جور الردى ... بالرغم منهم أيما إغضاء
رقدوا على غير الكرى، وتوسدوا ... بعد الرحال نمارق الدهناء
وتضمخوا دفع الصديد، وطالما ... رثموا بكل لطيمة ذفراء
قد شوه الحسن البلى بوجوههم ... وأسال كل كحيلة نجلاء
النوم بعدك للجفون محرم ... إلا الغشاش وعالط الإغفاء
ولقد شفى نفسي، وهون وجدها ... حلف العلى وبقية الكرماء
من كلما نظرت إليه عيوننا ... عدتك في الباقين والأحياء
ومنها:
أنا منكم، فارعوا عهود مودتي ... ولكم كريم مدائحي وثنائي
أوجبت حقا في أب لم يقضه ... وجزاءه أرجو من الأبناء
وقوله في مرثية جلال الدين محمد بن أنوشروان الوزير:
وكنت إذا ناديته لمسلمة ... أتاني جريئا ملغيا للعواقب
إذا اسطاع نصرا، شد شدة ضيغم ... وإلا فباك لي بكاء الحبائب
يهون عليه وهنه بصيانتي ... وبذلته ماعز قدري وجانبي
ولم أدر أن الموت إثر محمد ... يساوق أعناق الصبا والجنائب
وإن رجائي في مساعيه ضلة ... ولم يبق منه غير موقف راكب
ومما شجاني فقده وهو يانع ... نضير كغصن البانة المتلاعب
وأن الليالي لم تطعه لبغية ... ولم يرو من ماء المنى والمطالب
فوا أسفا والصب تحرقه النوى ... لمخترم كالبدر بين الكواكب!
فقدتك فقد الصاديات طليحة ... على العشر والتأويب، عذب المشارب
براهن إدمان الرسيم، وهدمت ... من الوجد أشراف الذرا والغوارب