قسم شعراء العراق
فكتب إليه رسالته الشينية نظما ونثرا.
وورد شيراز، ومدح قاضي القضاة عماد الدين أبا محمد طاهر بن محمد الفزاري - وكان مؤثل بني الرجاء، ومقصد الفضلاء، ومطلع السعود، ومنبع الجود - وصل إليه هذا الشاعر في عيد الأضحى، سنة تسع وخمس مئة، وخدمه بقصيدة زايية بعد مقامة مقدمها وقطعة نظمها. وعاد الى الحجاز. ثم قصده بشيراز سنة سبع عشرة، ومدحه.
فأما المقامة، فأولها: حدثني بعض الإخوان، قال: نشت بي قرارات الكرم ببغدان، لتواتر نوب الزمان، واختلاف أرباب السلطان، وأنا يومئذ ذو غل قمل، وورد وشل، وقلب وجل، وهم متصل، وجذل منفصل، فشحذت غرار العزمة في ركوب غارب الغربة، والأخذ في تنفيس الكربة، وتحقيق الوثبة؛ وجعلت أرود الفكر في المسرح، وأناجي السر في ارتياد المطرح والمنزح، وأستشير الصديق الصدوق، وأتجنب في الاستشارة العقوق. فحين صلد الزند، ونبا الحد، وعثر الجد، لاح بأفق المراد، ووفق المراد، خدن حلب الدهر أشطره، واعتصر أعصره، وحادث أحداثه، وبذ كهوله وأحداثه.
أخضر الجلدة من نسل العرب ... يملأ الدلو الى عقد الكرب
ذو فطنة غالبة، وعزمة ثابتة. فضربت بقداحه، واستصبحت بمصباحه، وقلت: أنا إليك مرتكن، وأنت ببذل المجهود في النصح زكن. فقال: ما عرا؟ فقلت: كل الصيد في جوف الفرا. فقال: هات، ودع الترهات. فقلت: إن الإفلاس، حكم علي الوسواس، فما يقول في امتداح الناس؟ فقال: لا بأس، ولكن ارتد بقعة، تتخذها نجعة. قلت: فلسطين. قال: بها الإفرنج الملاعين. قلت: فالشام. قال: أجفل منه الكرام. قلت: فديار ربيعة. قال: معاقل منيعة، ذهبت جوثتها، وتصدعت بيضتها، وتمزق عقيلها، وطال حزنها وويلها. قلت: فديار بكر. قال: بلد قفر، وجبل وعر، عمي إنسانها، مذ ذهب مروانها. قلت: فشيزر. قال: انتقض حبلها المشزر، وجاس خلالها العسكر، ونغل إهابها، وغاب صالحها ووثابها. قلت: فطرابلس. قال: ذهب عمارها، وأخرج عمارها، وبقي أغمارها. قلت: فمصر. قال: دون التيه بالتيه، ومرت يجد قوى لاحق ووجيه. قلت: فأصفهان. قال: قصدها هوان، والأديب بها مهان. قلت: فخراسان. قال: هي نصفها الأول، إذ ليس بها لأول النصف الثاني نون تحمل. فحرت بخلو الأقطار من منتجع ينتجع، ومرتبع يرتبع، وجعلت أرسف في قيد الوجوم، وأرسب في يم الهموم، قد أرتج علي باب الحيلة، لمقامي بالبقعة المحيلة. فحين رأى صلود زندي، ونبو حدي، ورقود فكري، وخمود جمري، قال:
إركب على البحر الى البحر ... ومل مع المد الى الجزر
واقصد الى البصرة، ثم اعتمد ... لقصد خوزستان في البر
وأهلها لا تغش أبوابهم ... فإنهم خوز، وما تدري
وشم بروق الجود من فارس ... ففارس مرتبع الفخر
بيضتها شيراز، فاعمد لها ... فإنها طاردة الفقر
بها عماد الدين خير الورى ... رب الندى ذو المنن الغر
قاضي القضاة العلم المرتجى ... مبشر الآمال بالبشر
فانهض لها منتضيا عزمة ... وانظر الى شخصي في السفر
وها أنا إن كنت في حيرة ... يسفر عن مطلعها بدري
فلما أبانت مشاورته عن مصاحبته، ونطقت أبياته بمحض صداقته، استنهضته فوجدته السليك في عدوته، وتأبط في حيلته وجرأته، فنضينا الهم، وامتطينا ابنة اليم، واتكأنا على الشمال، فوق بساط الريح الشمال، وتعاطينا كأس المنافثة، واقتدحنا نقص في الأصل والقصيدة طويلة بلا طائل، معانيها متكلفة، ومبانيها مختلفة. على أنه ليس منها بيت إلا وهو خال غير حال، لم يخرج من التوسط وإن لم يكن بعال ولا غال. وقد أوردت منها الأكثر، وأدنيت المعروف وأبعدت المنكر.