وقد خرج الخادم ليدخل البلاد، ويستأنف بجهده الجهاد، ويستقبل الربيع بريع الاقبال، ويستنزل ملائكة النصر من سماء الرحمة لأوقات النزال، وهو ببركة هذه الأيام الزاهرة من الله أن ينجد جند أرضه بجند سمائه، ويوفق الخادم لتصديق أمله في تطهير الأرض من أنجاس أجناس المشركين بدمائهم وتحقيق رجائه. فالجحافل حافلة، وأسراب الكفر بين يديها جافلة، ومعاطف الإسلام في لباس البأس رافلة، ونصرة الله بإنجاز عداته في قمع عداته كافلة.
والحمد لله الذي وفق عبد مولانا أمير المؤمنين في طاعته لنصر أمره، وإخلاص الولاء له في سره وجهره، واقتناء كل منقبة حقق بها فضل عصره، وابتكار كل فضيلة سار بها حسن ذكره. فما يفتح مرتجا إلا بتقليدها، ولا يستنجح مرتجى إلا بتأييدها. PageV01P153
ذكر خروج السلطان من دمشق لأجل شقيف ارنون وما جرى له مع صاحبه
وأقام السلطان شهر صفر في دمشق وقد أطاب لماشق الآمال من نشره النشق، ثم خرج منها في ثالث شهر ربيع الأول يوم الجمعة بالمحبة المجتمعة، والمهابة الممتنعة، متوجها إلى شقيف ارنون ليقر بفتحه العيون، ويصدق في استخلاصه الظنون.
وأتى مرج برغوث، وأقام به إلى يوم السبت حادي عشر الشهر ينتظر من عساكره البعوث، ثم رحل على سمت بانياس وقد أوقع رعبه بين أهل الكفر الياس، وأتى مرج عيون وخيم منه بقرب الشقيف، وجمع على من به آلات الحصار أسباب التخويف. وذلك يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأول في أواسط فصل الربيع.
وأقام في ذلك المرج الوسيع، والروض الوشيع. وأسمنا الخيل في أعشاب واصية، ورتعنا في ألطاف من الله دانية غير قاصية. وكان الشقيف في يد صاحب صيداء - ارناط، وقد أكمل في حفظه الاحتياط. فنزل إلى خدمة السلطان لحكمه طائعا، ولأمره سامعا، ولرضاه تابعا، وفي موضعه شافعا، وعلى حصنه خاشيا، ولأجله خاشعا.
وسأل أن يمهل ثلاثة أشهر يتمكن فيها من نقل من بصور من أهله، وأظهر أنه محترز من علم المركيس بحاله فلا يسلم من جهله، وحينئذ يسلم الموضع بما فيه، ويدخل في طاعة السلطان ومراضيه، ويخدمه على إقطاع يغنيه، وعن حب أهل دينه يسليه. فأكرمه وقربه، وقضى أربه، وأجابه إلى ما سأله، وقبل منه عزيزا ما بذله بذله، وأمهى غرب غربه وأمهله، واخذله وما خذله، وخلع عليه وشرفه ورفعه في ناديه بنداه وعرفه، واقتنع بقوله ولم يأخذ رهينة، ووجد إليه سكونا
وعنده سكينة.
فشرع ارناط في اذالة حصنه، وإزالة وهنه، وترميم مستهدمه، وتتميم مستحكمه، وتوفير غلاله، وتوفية رجاله، وتدبير احواله، وتكثير أمواله، ونحن في غرة من تحفظه، وفي سنة من تيقظه، وفي غفلة من حزمه، وفي غفوة من عزمه.
وكان يبتاع من سوق عسكرنا الميرة، ويكثر فيه الذخيرة. وقد صدقنا كذبه، وحققنا أربه. وأنهى إلى السلطان ما هو مشتغل به من عمارة يجدها، وذخيرة يعدها، وثلمة يسدها، وقوة يشدها، وميرة يستمدها. وكان بالمذكور سديد الظن. شديد الضن. لا يقبل ما فيه يقال، ولا يظن به عثورا يقال.
فلما كثر فيه القول، وتمكن من مسألته العول لم يرد أن يبدى له ما قيل، ولم يصدئ بالتغير عليه وجه جاهه الصقيل. فأمر بالانتقال من المرج إلى سطح الجبل، وتحويل الخيم إليه والثقل. وذلك ليلة الجمعة ثاني عشر جمادى الآخرة. وأظهر أن المرج وخيم، والمقيم به سقيم، وأم الدهر فيه PageV01P154 # بالصحة عقيم.