فلم يبق سنة إلا خلدها، ولا منة إلا قلدها. ولا أجرا إلا أجراه، ولا هدى إلا أهداه. ولا أمرا إلا امره، ولا ددرا إلا أدره. ولا فريضة إلا أداها، ولا فضيلة إلا أتاها. ولا فرصة صواب إلا انتهزها، ولا حصة ثواب إلا أحرزها. ولا رمم فواضل إلا أنشرها ونشرها، ولا أمم فضائل إلا حشدها وحشرها. وما ترك قارئا إلا قراه، ولا راويا ألا أشبعه وأرواه. ولا حافظ حديث أحفظه من الحدثان، ولا محسن
صنعة إلا اصطنعه بالإحسان. ولا ناظم مدائح إلا نظم له المنائج. ولا موافيا بقريض إلا وفي قروضه، واعجز عن القيام بحمل حمده نهوضه.
وتقدم إلى الوالي بالتردد في الأعمال، وتفقد الأحوال. وسد الخلة وتسديد الاختلال. وتعليل السقيم وتسقيم المعتل، وتحليل العقد وتعقيد المنحل. فاستقرت بولايته الولاية، واستمرت لرعيته الرعاية. ودرت افاويق الآفاق، ودارت أسواق الأرزاق.
ذكر وصول أخي تاج الدين أبي بكر حامد من دار الخلافة
للرسالة في العتب على أحداث ثقلت. وأحاديث نقلت. ووشايات أثرت وأرثت. وسعايات في السلطان عثت. في الأحوال وشعثت وذلك في شوال. ونحن على حصار صور ونزاع ونزال (ذكر السبب في ذلك)
لما تم الفتح الأكبر؛ وخص وعم النجح الأظهر؛ وقطع دابر المشركين؛ وحط إقبال المسلمين أوزار أدبار الكفر بحطين؛ أمرني السلطان بإنشاء كتب البشائر إلى الآفاق، وتقديم البشرى به إلى العراق. فقلت هذا فتح كريم، ومنع الله عظيم، وملك عقيم، وسمو وسيم، فلا يجب أن يكون مبشر دار الخلافة، بما أنزل الله لنا من الرحمة PageV01P100 # والرآفة؛ إلا من هو عندنا أجل وأجلى، وأعلم وأعلى، واجمع لفنون الفضائل، وأعرف بأداء الرسائل. فلا توجه بهذه الكرامة إلا الكريم الوجيه، ولا تنبيه لهذه المقامة إلا القويم النبيه. ولا ترفع العظيم إلا بالعظيم الرفيع، فإن الشريف ينضع شرفه بمقارنة الوضيع. فقال هذه نصرة مبتكرة بكرت، وموهبة ميسرة بدرت وندرت. فنحن نعجل بها بشيرا، ونؤخر للإجلال كما ذكرت سفيرا.
وكان في الخدمة شاب بغدادي من الأجناد، قد هاجر للاسترفاد. وتوجه بعد وصوله، ونبه بعد خموله. فسأل في البشارة إلى بغداد. وزعم أنه يداوم إليها إلا غذاذ. وشفع له جماعة من الاكابر، حتى خص بأشرف البشائر. فقلت هذا لا يحصل له وقع، ولا يصل إليه نفع. والواجب أن يسير في هذا الخطير خطير،
وفي هذه النصرة الكبرى كبير. فإن الرسول من يندب للتفهيم والتفخيم، ويرتب في الأمر العظيم للتعظيم.
ثم سار المندوب، وشغلت عن إرسال سواه الفتوح والحروب. ولما فتح البيت المقدس أرسل ببشارنة نجاب، ونفذ بها كتاب. ووصل البشير الجندي فلم تجل به كفؤ الجلالة من الهدى الهدى. وحقروه وما وقروه، فإنه كان عندهم بعين فنظروه بتلك العين، وحبوه بما يليق به من الرقة والعين. ونقم على السلطان إرسال مثله، وأنه لم يعصب المنصب في تلك الرسالة بأهله وتسمح المندوب بكلام أخذ عليه، وبدرت منه أحاديث نسبت إليه. وقال في سكره وحالة نكره، ما يعرض عن ذكره. فخيل وموه؛ وتنكر وتكره. وظن أن لكلامه أصلا ولقطعه منا وصلا. وأنهيت إلى الغرض الأشرف مقالاته، وعلمت جهالاته.
وتجنى على السلطان بإرساله، وطرق إلى هداه ما أنكروه من مقال المذكور وضلاله. ووجد الأعداء حينئذ إلى السعاية طريقا، وطلبوا لشمل استعداده بالخدمة تفريقا. واختلفوا أضاليل، ولفقوا أباطيل. وقالوا: هذا يزعم أنه يقلب الدولة، ويغلب الصولة. وأنه ينعت بالملك الناصر. نعت الإمام الناصر، ويدل بما له من القوة والعساكر.