فصل من كتاب إلى صاحب الموصل عند عود ولده إليه وينعت بالملك السعيد علاء الدين
ما كان أسعدنا بقرب الملك السعيد؛ وما أجد بإنارة نوره، وأوفر حبورنا بحضوره، وأصدق شهود صدق ولائه بحكم شهوده! وما أبهج الإسلام بنصرة ناصره؛ ونجده وليه وودوده! ولقد تمت بأيامن أيامه وبركات مقامه في العدو نكايات، وظهرت لأولياء الله من ألطاف كفاياته آيات، ووقعت بالمشركين روعات، وراعت وقعات.
وقد أردنا أن نستظهر بمرافقته، ونبني الأمور على موافقته. فما أيمن سعده، وما أسعد يمنه! وما أوقر وزنه، وأغزر مزنه! لكنا عرفنا شوق المجلس إلى اجتلاء سناه، بمقتضى آدابه التي استكمل بها أدوات الارتقاء في مطالع علاه. فقد فاق بسداد رأيه الكهول، وما أزكى الفروع الطيبة إذا أشبهت الأصول. وما أسعد الملك بالملك السعيد علاء الدين، أدام الله علاءه، وسر بفضائله أولياءه.
وقد توجه والقلوب معه متوجهة، والنفوس لغيبته متكرهة، والعيون لترقب ورود البشائر عنه متنبهة، والأيام لظلمة الاستيحاش بالليالي متشبهة، والموارد إلى أن يمن الله بعود الأنس بعودته مستنهة، والألسن بذكر أخلاقه الطاهرة والإفاضة في شكر محاسنه الزاهرة متفوهة. والخواطر فيما تمثلته أيام الاستسعاد به من مبهجات آلائه متنزهة.
ولا شك إنه يصف بلهجته الفصيحة، ما اقتناه من المتاجر الربيحة، وقدمه من المساعي النجيحة، واستنجحه في الغزاة من مغازيه الصحيحة، وأبداه في البأس من بسالته المشيحة. واطلعه في ليل العجاج من صبيحة بهجته الصبيحة. وله في كل نصرة وهبها الله للإسلام أوفى نصيب، فقد أصمي مقتل الكفر بكل سهم مصيب، وهو لمسترخ الهدى أسبق ملب وأسرع مجيب، وإن الله له بسفور صبح سعادته ووفور نجح إرادته افضل مثيب. PageV01P239
ذكر ما تجدد بعد ذلك في هذه السنة
لما هاج البحر وماج؛ واظهر الارتجاج والانزعاج، نقل الفرنج سفنهم خوفا عليها إلى صور فربطوها بها، وأخلوا ساحل عكاء من إرعابها وإرهابها. وخلا لنا وجه البحر، وغابت عن الساحل مراكب الكفر. فاشتغل السلطان بإنفاذ البدل إلى البلد، من الثابتين في الجلاد على الجلد.
فانتقل الملك العادل بمخيمه إلى جانب الرمل، ونزل نهر حنيفا في سفح الجبل، لتسهيل طريق من يسيره إلى البلد من البدل. فإن المقيمين في عكاء شكوا أمراضا معترضة، وأعراضا ممرضة. وكثرة السواد، مع قلة النفقة والزاد.
وكان في البلد زهاء عشرين ألف رجل من أمير ومقدم وجندي، وأسطولي وبجري. ومتعيش وتاجر وبطال، وغلمان ونواب وعمال. وقد تعذر عليهم الخروج فسكنوا، وإذا عاينوا خوفا على الموضع موهنا عاونوا وما وهنوا. فرأى السلطان أن يفسح لهم في الخروج رفقا بهم ورأفة، وما أفكر أن في ذلك مخافة وآفة.
فقد كان فيه أمراء أمروا الأمر، وألفوا الصبر، وما تعوا الحصر، واجترءوا وتجاسروا، وصبروا وصابروا، وحاربوا وحربوا، وجاروا وجربوا، وزالوا وأزالوا، وحاولوا وأحالوا، وعرفوا مكامن المكايد، وكشفوا كوامن المقاصد. وأخذ كل موضعه في الحرص على الحراسة؛ وشاعوا بالسماحة والحماسة.
وكان فيهم من يطعم وينفق، ويجمع الرجال وقلوبهم بما عليهم يفرق، مثل حسام الدين أبي الهيجاء السمين، فإنه أنفق ما ادخره من الألوف والمئين. مستمرا على إنفاق، لا تعتريه فيه خشية إملاق. وهناك ستون أميرا ومقدما، وكلهم يرى المغرم في سبيل الله مغنما. وكانوا ينتفعون بالعوام وكثرة الناس في جذب المجانيق، والإعانة على ما يتفق في الحصر من التضييق.