ذكر وقعة مرج عيون ونصرها وقمع الفرنج وكسر مقدميها وأسرها
ولما نهض أصحابنا تلك الليلة وأدلجوا وخاضوا بحر الظلام ولججوا وامتدوا وأبعدوا وتعلفوا تزودوا أصبح السلطان يوم الأحد راكبا ومعه صمصمام الدين أجك والي بانياس مصاحبا في موكب خفيف وجمع غير كثيف ووقف على الطريق وسأل الله حسن التوفيق فوجد في تلك الغياض أبقارا جافلة وسروحا عن مراتعها زائلة وجاءه بعض الرعاة وأخبر أنه شاهد عساكر العداة وأنهم عبروا بالقرب على قصد المتعلفة بالنهب والحرب فعجب السلطان من هذا الخبر واستبعده وقال لو كان للفرنج قصد لجاءنا الجاسوس عن العدو وأوضح لنا جدده وذكر عدده وعدده فما صدق الخبر حتى جاء من أوائل العسكر من ارتاع وعجل في العود الإسراع
فجاء السلطان إلى المخيم وقت الظهر فتفاءلنا به للظهور ونادى في متخلفي مماليكه وخواصه بالحضور وكانت في اسطبله خيل عراب شدت للتضمير وجياد عتاق أعدت ليوم النفير فبذل مصونها وأصفى لخواصه صفونها وقال اركبوا وأدركوا العدو وانكبوا وعن قصد لقائه لا تنكبوا وما زال ينهض محربا ويقنب مقنبا حتى انتظمت له كتيبة شهباء وبهمة دهماء ولاحت له غرة النصر وهي بيضاء وسقى بماء
المنون لهاذمه وصوارمه وهي حمراء وساروا ليلة العجاج في يوم الهياج سوداء والخضراء من وقع الحوافر ونقع الحوافر غبراء وهاج كما ماج الدأماء وتلألأت خرصانه كما تزينت بالزهر السماء وجرت بالجبال الرياح وقلقت في اشباح الغمود الأرواح ونزعت عرائس البيض إلى خضابها واشتاقت شفاه الشفار من ممراشف الطلا إلى رياضها واشتارت ذئاب الظبى ضرب ضرابها وأنست عاسلات السباع من عاسلات اليراع بصحبة أضرابها وطارت العقبان مع أمثالها من الرايات وتنزلت الملائكة من نص النصر بالآيات ولوت فوراع الألوية مواعد اللأواء وأشرعت شوارع الأسنة موارد الدماء وشغفت أحباء الله بلقاء الأعداء وحفز الزحف ومرج وفتح الحتف المرتج ونعب غراب الغبار ببين الأعادي وطميت طي العضاب الغضاب إلى هد الهوادي وجرى سيل الخيل وجر القتام على بهار النهار ذيل الليل وللبنود اختفاق وللجنود التفاف واتفاق وللسعود اشراق وللصوارم انتشاء وانتشاق وللصرائم إجماع لا افتراق وللرماح مراح وللأرواح إلى الموت ارتياح والسلطان في موكب جلالته كالقمر المبدر في هالته وابداء النصر برشده بدلالته فلم يزل يعنق ويخب ويبرق ويهب ويغرق ويعب ويزخر ويموج ويزجر ويعنج ويجري ويجر ويفري ويفر ويمري ويمر والسوائح للتجار حاملة والجوائح للكفار حاصلة شاملة حتى تراءى الجمعان ودنا الرعان من الرعان وعنا العنان للعنان وحنا السنان على السنان ونشطت إيمان الإيمان وقرب قران الأقران واحترب حزب الله وحزب الشيطان وحلا ضرب الضرب وطعم الطعم بعذب القضيب ومر المران ومالت للتداني أعطاف اللدان وصافحت الصفاح أشاجع الشجعان ووقف الجمعان ووقد الجمران وطلعت في أبراج العجاج نجوم الخرصان وتحقق خراب ما لألأعمار من العمران {مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان}
واتفق أن الإفرنج لما أشرفوا على العلافة سدوا طريق الأمن بطوارق المخافة وكان عسكرنا الناهض لما عرف إقدامهم لم يقف قدامهم وسار عن أثقاله بعيدا ورجا من النجدة مددا جديدا فخف رجالتهم إلى الأثقال وفارقوا خيل النزال وفوارس