بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، وصلواته على محمد وآله وسلامه، قال الشيخ الإمام الحافظ زين الدين أبو بكر محمد بن موسى الحازمي:
الحمد لله الكبير المتعال، الكثير النوال، المنعم المفضال، الموصوف بالقدرة والكمال، والعزة والجلال، المقدس عن سمات النقص وصنوف الزوال: منشئ السحاب الثقال، ومخرج الودق من الخلال، وصلى الله على خيرته من خلقه محمد المبعوث بنسخ آثار الضلال، ورفع الآصار والأغلال، صلى الله عليه وعلى آله خير صحاب وأفضل آل.
أما بعد: فهذا الكتاب أذكر فيه ما انتهت إلي معرفته من ناسخ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنسوخه، إذ هو علم جليل ذو غور وغموض، دارت فيه الرءوس، وتاهت في الكشف عن مكنونه النفوس، وقد توهم بعض من لم يحظ من معرفة الآثار إلا بآثار، ولم يحصل من طرائق الأخبار إلا أخبارا، أن الخطب فيه جليل يسير، والمحصول منه قليل غير كثير.
ومن أمعن النظر في اختلاف الصحابة في الأحكام المنقولة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتضح له ما قلناه.
ويشهد لصحة ما رسمناه ما أخبرنيه أبو موسى محمد بن عمر الحافظ، أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو نعيم، حدثنا أبو حامد بن جبلة، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا عبيد الله بن سعد، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ضمرة بن رجاء بن أبي سلمة عن أبي رزين، قال: سمعت الزهري يقول: أعيا الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومنسوخه.
ألا ترى الزهري وهو أحد من انتهى إليه علم الصحابة، وعليه مدار
حديث الحجاز، وهو القائل: " لم يدون هذا العلم أحد قبلي تدويني " وكان إليه المرجع في الحديث، وعليه المعول في الفتيا، كيف استعظم هذا الشأن مخبرا عن فقهاء الأمصار.
ثم لا نعلم أحدا جاء بعده تصدى لهذا الفن ولخصه، وأمعن فيه وخصصه إلا ما يوجد من بعض الإيماء والإشارة في عرض الكلام عن آحاد الأئمة، حتى جاء أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي - رضي الله عنه - فإنه خاض تياره وكشف أسراره واستنبط معينه، واستخرج دفينه، واستفتح بابه، ورتب أبوابه.
أخبرنا الإمام أبو عبد الله الحسن بن العباس الفقيه في كتابه، عن أبي مسعود الحافظ، أخبرنا أحمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد بن سهل، حدثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال: سمعت محمد بن مسلم بن وارة
يقول: قدمت من مصر فأتيت أبا عبد الله أحمد بن حنبل أسلم عليه، فقال لي: كتبت كتب الشافعي - رضي الله عنه -؟ قلت: لا. قال: فرطت، ما عرفنا المجمل من المفسر، ولا ناسخ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من منسوخه حتى جالسنا الشافعي.
وقد ذكر الشافعي - رضي الله عنه - في كتاب " الرسالة " من هذا الفن أحاديث، ولم يستنزف معينه فيها، إذ لم يضع الرسالة لهذا الفن وحده، غير أنه أشار إلى قطعة صالحة توجد في غضون الأبواب من كتبه، ولو كانت موجودة لأغنت الباحث عن الطلب،
والطالب عن تجشم الكلف، غير أنها بموت الرجال تفرقت، وفي أيدي النوائب تمزقت.
ثم هذا الفن من تتمات الاجتهاد؛ إذ الركن الأعظم في باب الاجتهاد معرفة النقل، ومن فوائد النقل معرفة الناسخ والمنسوخ، إذ الخطب في ظواهر الأخبار يسير، وتجشم كلفها غير عسير. وإنما الإشكال في كيفية استنباط الأحكام من خفايا النصوص، ومن التحقيق فيها معرفة أول الأمرين وآخرهما، إلى غير ذلك من المعاني.