بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وسلم عليه تسليما
الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافي مزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
قال الشيخ الإمام العالم العامل السيد الكبير والحبر الأثير، لسان الأدب وحجة العرب جمال الدين بن بري، رحمه الله:
مسألة
قوله تعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع (1).
ما معنى التكرير في هذه الآية؟ وهل يجوز أن تنوب (أو) هنا مناب الواو أم لا؟
الجواب:
إن (أو) لا تقع هاهنا موقع الواو لأن هذا إنما جاء على البدل، كأنه قال سبحانه:
ثلاث بدل من ثناء، ورباع بدل من ثلاث.
فلو قيل ب (أو) لجاز ألا تكون الثلاث بدلا من الثناء، وأن لا يكون لصاحب المثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع، وإنما جاء هذا بالواو على جهة الحصر لما يحل من نكاح النساء من غير زيادة، كما تقول: ادخلوا علي ثناء وثلاث ورباع. أي: أبحت لكم
(2 أ) أن تدخلوا على هذه العدة لا زيادة عليها، فإن شئتم فادخلوا اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، ولا تزيدوا على ذلك. PageV01P011
وعلى هذا قوله: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها (1). فجاء بالواو لحصر عدة المستحقين للصدقة: للفقراء والمساكين والعاملين، إلى تمام الأصناف الثمانية من غير زيادة. وكذلك المحل لكم من نكاح النساء من جهة الأعداد، مثنى وثلاث ورباع من غير زيادة على ذلك، إلا أنه يجوز في آية الصدقات أن تدفع صدقة لأحد الأصناف الثمانية، ولا يجوز أن يجمع بين هذه الأقسام الثمانية من العدد من جهة أن الأبدال المعدولة في العدد لا يكون معناها إلا على الانفراد وإن حصل فيها العطف بالواو كما مثلت أولا فيما تقدم من قول القائل: ادخلوا علي ثناء وثلاث ورباع، أي: اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، ولم يرد الجمع بينها كلها، ولم يرد (2 ب) ادخلوا علي تسعة تسعة.
ولو كان المعطوف يقضي الأمر فيه أن يكون بدلا من المعطوف عليه فتكون الثلاثة بدلا من الاثنين، والأربعة بدلا من الثلاثة لوجب مثل ذلك في قوله سبحانه: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها فتكون الصدقة للمساكين بدلا من الفقراء، والصدقة للعاملين عليها بدلا من المساكين، وليس الأمر كذلك.
وإنما يجيء مثل هذا بالواو في كلام العرب على جهة الحصر للأصناف المعدودة، أي المستحقين للصدقة: الفقراء والمساكين والعاملين عليها، إلى انتهاء الأصناف الثمانية من غير زيادة، فمن وجد منهم دفعت إليه الصدقة. وهذا كما تقول:
كنت آكل في بلدي اللحم والتمر والزيت والسمن والعسل، فحصر أصناف ما يأكله، ولم يرد أنه كان يجمع بين هذه كلها في أكلة.
وكذلك قوله سبحانه: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، أي: لينكح كل (3 أ) منكم مثنى وثلاث ورباع من غير PageV01P012
زيادة على ذلك. أي الذي أحل لكم من نكاح النساء هذه الأقسام الثلاثة: مثنى وثلاث ورباع من غير زيادة على ذلك، كما تقول كل الرطب أحاد ومثنى وثلاث، أي: كل هذا الرطب واحدة واحدة واثنتين اثنتين
وثلاثة ثلاثة.
ولو أتى ب (أو) في هذه العدة وقال: كل مثنى أو ثلاث أو رباع، لكان جائزا ولا يلزم ما ذكره في الآية من أنه لو أتى ب (أو) عوضا من الواو لجاز ألا يكون لصاحب مثنى ثلاث، لأن هذا الخطاب وإن كان لجماعة فإنما يراد به واحد واحد، كما قال سبحانه: