مقدمة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
قال الفقيه المحدث الحافظ أبو محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي رحمه الله تعالى:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والتسليم على محمد خاتم النبيين، وإمام المرسلين، وعلى جميع عباد الله الصالحين.
أما بعد وفقنا الله وإياك، فإني جمعت في هذا الكتاب مفترقا من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في لوازم الشرع وأحكامه، وحلاله وحرامه، وفي ضروب من الترغيب والترهيب، وذكر الثواب والعقاب، إلى غير ذلك من الآداب والرقائق والحكم والمواعظ، وفنونا من الأدعية والأذكار، وجملا في الفتن والأشراط، وأحاديث في معان أخر، مع نبذ من التفسير، مما يكسب حافظه العلم الكثير، والعامل به الحظ الخطير، والملك الكبير.
ونقلتها من كتب الأئمة المشهورين، والجلة السابقين، سرج الدين، وهداة المسلمين:
أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبحي.
وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري.
وأبو الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري.
وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني.
وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي. PageV01P065
وأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي.
وأضفت إلى ذلك أحاديث من كتب أخر، أذكرها عند ذكر الحديث منها، أو أذكر أصحابها أو المشهور برواية ذلك الحديث الذي أخرج، مثل أن أقول: ومن مسند أبي بكر بن أبي شيبة، أو ذكر ابن أبي شيبة، أو وروى وكيع بن الجراح، أو فلان، وإذا ذكرت الحديث لمسلم أو لغيره عن صاحب، ثم أقول: وعنه، أو وعن فلان وأذكر ذلك الصاحب أو صاحبا آخر، فإنما كل
ذلك لمسلم، أو من الكتاب الذي أذكر أولا، حتى أسمي غيره، وربما تخللها كلام في رجل أو في شيء.
وإذا قلت: وفي رواية أخرى أو وفي طريق آخر، ولا أذكر الصاحب، فإنه من ذلك الكتاب، وإن كانت الزيادة عن صاحب آخر ذكرت الصاحب وذكرت النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن ذلك الصاحب، عن النبي عليه السلام.
وإذا ذكرت الحديث لمسلم أو لسواه، ثم أقول: زاد البخاري كذا وكذا، أو زاد فلان كذا وكذا، أو قال كذا وكذا ولم أذكر الصاحب ولا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنه عن ذلك الصاحب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كانت الزيادة عن صاحب آخر، ذكرت الصاحب وذكرت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وربما ذكرت الزيادة، وقلت: خرجها من حديث فلان، ولم أذكر النبي عليه السلام، ولكنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان حديثا كاملا ذكرت الصاحب، وذكرت النبي عليه السلام، وإن كانت الزيادة أو الحديث الكامل بإسناد معتل ذكرت علته، ونبهت عليها، بحسب ما اتفق من التطويل أو الاختصار، وإن لم تكن فيه علة كان سكوتي عنه دليلا على صحته.
هذا فيما أعلم، ولم أتعرض لإخراج الحديث المعتل كله، وإنما أخرجت منه يسيرا مما عمل به، أو بأكثره عند بعض الناس، واعتمد عليه وفزع عند الحاجة إليه، والحديث السقيم أكثر من أن أتعرض له، أو أشتغل PageV01P066 # به، وبعض هذه الأحاديث المعتلة ورد من طريق واحد، فذكرته منها، وربما بينته، ومنها ما ورد من طريقين أو أكثر، فذكرت منها ما أمكن، وأضربت عن سائرها، ومنها ما لم أحص طرقه، ولو أردت ذلك لم أقدر عليه، ولا وجدت سبيلا إليه، لضيق الباع، وقلة الاتساع، مع ما أكرهه أيضا من التكرار، وأرغب فيه من التقريب والاختصار، وكثيرا ما أخذت من كتاب أبي أحمد بن عدي الجرجاني حديثا وتعليلا، وكذلك من كتابي أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، كتاب السنن وكتاب العلل له، وأخذت كلاما كثيرا في التجريح والتعليل من كتاب أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ومن كتاب غيره، وربما أخذت حديثا من كتاب وتعليلا من كتاب آخر، أو كلاما في رجل، وقد بينت ذلك في بعض المواضع، وأكثر ما أذكر من العلل ما يوجب حكما، ويثبت ضعفا، ويخرج الحديث من العمل به إلى الرغبة عنه والترك له، أو إلى الاعتبار بروايته، مثل القطع، والإرسال، والتوقيف، وضعف الراوي، والاختلاف الكثير في الإسناد، وليس كل إسناد يفسده الاختلاف، وليس الإرسال أيضا علة عند قوم، إذا كان الذي يرسله إماما، ولا التوقيف علة أخرى، إذا كان الذي يسنده ثقة، وضعف الراوي علة عند الجميع وضعف الراوي يكون بالتعمد للكذب، ويكون بالوهم، وقلة الحفظ، وكثرة الخطأ، وإن كان صادقا، ويكون بالتدليس، وإن كان ثقة فيحتاج حديثه إلى نظر، ويكون أيضا لجرحة أخرى مما يسقط العدالة أو يوهنها، أو رأي يراه الراوي، ومذهب يذهب إليه مما يخالف السنة، ويفارق الجماعة، وقد يكون داعية إلى مذهبه ذلك، وقد يكون يعتقده ويقول به ولا يدعو إليه، وبينهما عند بعضهم فرق.