مسألة
قوله:
سم العداة. ..
السم - بالفتح -: عندي مصدر " سممته سما "، إذا أطعمته السم، كما تقول: زبدته زبدا "، إذا أطعمته بالزبد.
وأما الزبد فهو الاسم. فإذا فتحت السين فالعداة مخفوض في موضع نصب، لأنه المفعول في المعنى، وإذا ضممت " السين " فلا موضع له إلا الإضافة المحضة.
ورواية من رواه بفتح السين أحصن للغة وأصح في المدح، لأنك تجعل العداة
مفعولين بهذا المصدر، فإذا ضممت " السين " فالسم اسم، فترجع إضافته إضافة ملك واستحقاق لا على نحو إضافة المصدر إلى المفعول، فيكون كقولك: رماح العداة، أو: سلاح العداة، فيكون كالكلام المحتمل للمدح وغيره.
وإذا كان مصدرا كان فى معنى الفعل، تريد أنهم يسمون العداة، أي:
يقتلونهم.
ولا بد من المجاز في كل هذا، فمجاز الكلام إذا جعلته مصدرا حذف
المضاف، كأنك قلت: ذوو سم العداة، وإذا جعلته اسما، فمجازه التشبيه، أي: إنهم بمنزلة السم.
وقد تخرج رواية الضم على وجه، وهو أن السم لا يكون إلا قاتلا، ولا يراد إلا
ليقتل به، وليس كالرماح والسلاح لاختلاف المنافع والأغراض، فصار معنى الكلام: إنهم قاتلو العداة.
وعبر بالسم عن هذا المعنى.
ورواية الفتح أبين بصحيح الكلام.
وأما قوله:
وآفة الجزر
فمجازه أيضا التشبيه، جعلهم بمنزلة الآفة للجزر.
والآفة اسم ليس بمصدر عندي، لأنه على وزن " فعلة "، كالعظمة والحدبة وغير ذلك، وإن كان قد وجد في المصادر هذا المثال، كالعجلة والحركة. ولكن لما لم نجد منه فعلا ولا اسم
فاعل، حكمنا بأنه اسم غير مصدر.
فإن قيل: فقد قالوا: " رجل مؤوف ": إذا كانت به آفة؟
قلنا: باب " مؤوف "، كباب " محموم " و " مجنون "، والحمى ليست بمصدر.
وكذلك " الجان، و " الجنة ".
ولكن العرب قد تجعل ما فيه الشيء بمنزلة المفعول.
وما له الشيء بمنزلة الفاعل وإن لم يكن له فعل، كقولهم: فيمن له رمح: رامح، وفيمن له نبل نابل، وفيما فيه الحمى: محموم.
ومكان مضبوب ومسبوع، من الضباب والسباع.
ومنه طعام مسوس ومدود إذا وقع فيه السوس والدود.
على أنه قد يقال: ساس الطعام وداد، وسوس ودود، فهو
مسوس ومدود.
ولكن الأول مقول أيضا.
فثبت من هذا أن " الجزر " مخفوض بالإضافة، وليس له موضع إلا الخفض بخلاف " العداة " إذا فتحت السين من " سم ".
وأما " العداة " فجمع " عاد "، كما تقول: " دعاة " في جمع " داع ".
وأما " أعداد " فجمع " عدا "، كما تقول: " أضلاع، في جمع " ضلع ".
وأما " عدا " فليس له واحد من لفظه، وإنما هو اسم للجمع كقوم ورهط.
وأما " عدو " فيقع للواحد والاثنين والجمع، لأنه - والله أعلم - بمنزلة ما جرى من المصادر على فعول: كالولوع والقبول، فلذلك لم يثن ولم يجمع، قال الله سبحانه: (هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله) .
وقد يجوز أيضا أن يكون أعداء (جمعا) لعدو، على تقدير حذف الحرف لا
الزائد، فيكون كالثلاثي المجموع على أفعال، يقوي ذلك أنهم قد قالوا في المؤنث: " عدوة الله ".
ولو كان مصدرا ما ساغ فيه ذلك، والوجهان متكافئان في القياس
والنظر، وبالله التوفيق.
وأما " الجزر " فيجمع " جزورا " وهي فعول بمعنى مفعول.
وقد كان قياسه أن يكون بهاء التأنيث كالحلوبة والركوبة، ولكنهم جعلوه اسما مخصوصا بالإبل دون غيرها، فضعف الاعتماد على الفعل، الذي هو الجزر، وسار الاسم الذي لا ضمير فيه، فلم تدخله تاء التأنيث، إذ لا يؤظط في الصفات إلا ضمائرها، ولا في الأفعال إلا فاعلوها.