بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المصنف
رب يسر يا كريم
قال الشيخ الفقيه الأستاذ العلامة، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن
(أحمد بن أبي) الحسن الخثعمي ثم السهيلي - رحمة الله تعالى عليه، آمين -:
بحمد الله نفتتح كلامنا، وبنعمته نستديم سلامتنا وإسلامنا، وإليه بتوفيقه نوجه رغبتنا واستسلامنا، ولعله أن يحفظ بمنه من فضول البطالة ألسنتنا وأقلامنا، ويغسل من غباوة الجهالة وغبرات الضلالة آراءنا وأحلامنا. ونسأله أن يصلي على محمد نبيه الذي نور بحبه قلوبنا، وشحذ بنوره أفهامنا، كما شرف بدينه عوامنا، وفضل باتباع آئاره أعلامنا.
أما بعد، فإني رأيت اقتباس أنوار الحكم أولى ما صرفت إليه حكمات
الهمم، وأشرف ما عنيت به الأمم، وأنفس ما ثنيت إليه سوالف الآمال من بعد ومن أمم، فكن أيها الطالب للأشرف ممن كرع في بحره وغرف، وإلا كنت قمامة لغرف، فقيمة كل امرئ ما يحسنه، وذو العلم رفيع وإن مني بحاسد يلسنه.
فبدار بدار قبل الفوت، فإنما العلم حياة والجهل موت، قال الله سبحانه
وتعالى: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) .
ثم قال من سدد في المقال:
وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... فأجسامهم قبل القبور قبور
وإن امرا لم يحيى بالعلم ميت ... فليس له حتى النشور نشور
وكل علم - وإن تميز حامله عن البهيمة - فليس العلم الذي يلبس طالبه أكرم شيمة، ويحيى فؤاد صاحبه كما تحيى الديمة الهشيمة - إلا ما أودع الله - عز وجل - كتابه العلي من أنوار المعارف، وتضمنه كلام النبي العربي - - صلى الله عليه وسلم - من الفوائد واللطائف، فذلك العلم الذي ينهض حامله إلى أعلى المراتب، ويأخذ بضبع طالبه
حتى يقعده على هام الكواكب، ويكشف عن بصر فؤاد صاحبه فينزهه في رياض البدائع والعجائب.
ثم لا يطمع في الاستبصار والاستكثار من فوائده ونضاره.
والاستبحار في فنون فوائده ومباحث أغواره إلا بعد معرفة باللسان الذي أنزل به القرآن، ولغة النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أحلنا عليه في البيان، فإنه سبحانه وتعالى يقول: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) .
وقال سبحانه: (بلسان عربي مبين) .
فإذا كانت صناعة الإعراب مرقاة إلى علوم الكتاب، لا يتولج فيها إلا من
أبوابه ولا يتوصل إلى اقتطاف زهراتها إلا بأسبابه فواجب على الناشئين تحصيل
أصولها، وحتم على الشادين البحث عن أسرارها وتعليلها.
وقد عزم لي بعد طول مطالبة من الزمان، ومجاذبة لأيدي الحدثان، وأمراض
همة لا تغب، وزمانة مرض تنيم الخاطر فلا يهب - على جمع نبذ من نتائج الفكر، اقتنيتها في خلس من الدهر، معظمها من علل النحو اللطيفة، وأسرار هذه اللغة الشريفة.
فالآن حين أردت زفافها إلى أسماع الطالبين، فإن لم يكونوا لأبكارها خاطبين،
ولا في نفائسها بحكم هذا الزمن النائم أهله راغبين.
ومقصدنا أن نرتبها على أبواب كتاب (الجمل) (1) لميل قلوب الناس إليه، وقصرهم الهمم عليه.
والله المعين على ما يقرب منه ويزلف لديه، وإياه في كل حال نستخير.
وبوجهه من كل ما يسخطه ويباعد منه نستجير، وهوحسبي ونعم الوكيل. PageV01P027