وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إنه لا يجوز دخول الألف واللام إلا على الاسم الأول لأن الاسمين لما ركب أحدهما مع الآخر تنزلا منزلة اسم واحد، وإذا تنزلا منزلة اسم واد فينبغي أن لا يجمع فيه بين علامتي تعريف، وأن PageV01P255
يلحق الاسم الأول منهما؛ لأن الثاني يتنزل منزلة بعض حروفه، وكذلك عرفت العرب الاسم المركب، قال ابن أحمر:
[193]
تفقأ فوقه القلع السواري ... وجن الخازباز به جنونا
فقال "الخازبار" فأدخل الألف واللام على الاسم الأول، ولم يكرره فيقول "الخازالباز" ولم يحك ذلك عنهم في شعر ولا في كلام، والخاز باز ههنا: أراد به صوت الذبابا، ويقال "جن الذباب" إذا طار وهاج، وقيل: المراد بالخازبار نبت، كما قال الشاعر.
[194]
رعيتها أكرم عود عودا ... الصل والصفصل واليعضيدا PageV01P256
والخازباز السنم المجودا ... بحيث يدعو عامر مسعودا
ويقال"جن النبات" إذا خرج زهره. والخاز باز أيضا: داء في اللهازم، قال الشاعر:
[195]
يا خازباز أرسل اللهازما ... إني أخاف أن تكون لازما
والخازباز فيم يقال أيضا: السنور، وفي الخازباز سبع لغات: خازباز، وخازباز وخازباز، وخازباز، وخازباز، وخازباء -مثل نافقاء- وخزباز -مثل سرداح- قال الشاعر:
[196]
مثل الكلاب تهر عند درابها ... ورمت لهازمها من الخزباز
وإنما لم يجز دخول الألف واللام على "درهم" لأنه منصوب على التمييز، والتمييز لا يكون إلا نكرة، وإنما وجب أن يكون نكرة لأن الغرض أن يميز المعدود به من غيره، وذلك يحصل بالنكرة التي هي الأخف، فكانت أولى من المعرفة التي هي الأثقل.
وأما الجواب عن كلمات الكوفيين: أما ما حكوه عن العرب فلا حجة لهم فيه؛ لقلته في الاستعمال وبعده عن القياس: أما قلته في الاستعمال فظاهر؛ لأنه إنما جاء شاذا عن بعض العرب؛ فلا يعتد به لقلته وشذوذه، فصار PageV01P257
بمنزلة دخول الألف واللام في قول الشاعر:
[91]
يقول الخنا، وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع
ويستخرج اليربوع من نافقائه ... ومن جحره بالشيحة اليتقصع
أراد الذي يتقصع، فكما لا يجوز أن يقال أن الألف واللام يجوز دخولهما على الفعل لمجيئه ههنا لقلته وشذوذه فكذلك أيضا لا يجوز أن يحتج بذلك لقلته وشذوذه، وكما قال الشاعر:
[197]
يا ليت أم العمرو كانت صاحبي ... مكان من أشتى على الركائب
أراد "أم عمرو". وكما قال الآخر:
[198]
باعد أم العمرو من أسيرها ... حراس أبواب على قصورها PageV01P258
وكما قال الآخر:
[199]
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا ... شديدا بأعباء الخلافة كاهله
وكما قال الآخر:
[200]
أما ودماء مائرات تخالها ... على قنة العزى وبالنسر عندما PageV01P259
وما سبح الرهبان في كل بيعة ... أبيل الأبيلين المسيح ابن مريما
لقد ذاق منا عامر يوم لعلع ... حساما إذا ما هز بالكف صمما
أراد "وبنسر" بدليل قوله تعالى: {ويعوق ونسرا} {نوح: 23] وكما قال الآخر:
[201]
ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر PageV01P260
أراد "بنات أوبر" وكما قال الآخر:
[202]
وإني حبست اليوم والأمس قبله ... ببابك حتى كادت الشمس تغرب
أراد "وأمس" ولهذا تركه على جهته الأولى مكسورا، وكما قال الآخر:
[203]
فإن الأولاء يعلمونك منهم PageV01P261