وأما البصريون فاحتجوا بأن قالوا: إنما قلنا إن الاسم العلم أعرف من المبهم لأن الأصل في الاسم العلم أن يوضع لشيء بعينه لا يقع على غيره من أمته، وإذا كان الأصل فيه أن لا يكون له مشارك أشبه ضمير المتكلم، وكما أن ضمير المتكلم أعرف من المبهم فكذلك ما أشبهه.
والذي أذهب إليه ما ذهب إليه الكوفيون.
وأما الجواب عن كلمات البصريين: أما قولهم: "إن الأصل في الاسم العلم أن يوضع لشيء بعينه لا يقع على غيره" قلنا: وكذلك الأصل في جميع المعارف، ولهذا يقال: حد المعرفة ما خص الواحد من الجنس، وهذا يشتمل على جميع المعارف، لا على الاسم العلم دون غيره، على أنا نسلم أن الأصل في الاسم العلم ما ذكرتموه، إلا أنه قد حصل فيه الاشتراك، وزال عن أصله وضعه، ولهذا افتقر إلى الوصف، ولو كان باقيا على الأصل لما افتقر إلى الوصف؛ لأن الأصل في المعارف أن لا توصف؛ لأن الأصل فيها أن يقع لشيء بعينه، فلما جاز فيه الوصف دل على زوال الأصل، فلا يجوز أن يحمل على المضمر الذي لا يزول عن الأصل ولا يفتقر إلى الوصف في أنه أعرف من المبهم، والله أعلم.
مسألة "أي" الموصولة معربة دائما أو مبنية أحيانا؟
...
(102) مسألة: ["أي" الموصولة معربة دائما ومبنية أحينا؟] 1
ذهب الكوفيون إلى أن "أيهم" إذا كان بمعنى الذي وحذف العائد من الصلة معرب، نحو قولهم: "لأضربن أيهم أفضل"، وذهب البصريون إلى أنه مبني على الضم، وأجمعوا على أنه إذا ذكر العائد أنه معرب، نحو قولهم: "لأضربن أيهم هو أفضل"، وذهب الخليل بن أحمد إلى أن "أيهم" مرفوع بالابتداء، و"أفضل" خبره، ويجعل "أيهم" استفهاما، ويحمله على الحكاية بعد قول مقدر، والتقدير عنده: لأضربن الذي يقال له أيهم أفضل، قال الشاعر:
[441]
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ... فأبيت لا حرج ولا محروم PageV02P583
أي: فأبيت لا يقال لي هذا حرج ولا محروم، وحذف القول في كتاب الله تعالى وكلام العرب أكثر من أن يحصى، وذهب يونس بن حبيب البصري إلى أن "أيهم" مرفوع بالابتداء، و"أفضل" خبره، ويجعل "أيهم" استفهاما، ويعلق "لأضربن" عن العمل في "أيهم" فينزل الفعل المؤثر منزلة أفعال القلوب نحو "علمت أيهم في الدار".
أما الكوفيون فاحتجوا بأن قالوا: الدليل على أنه معرب منصوب بالفعل الذي قبله أنه قد جاء ذلك في كتاب الله تعالى وكلام العرب، قال الله تعالى: {ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا} [مريم: 69] بالنصب، وهي قراءة هارون القارئ ومعاذ الهراء، ورواية عن يعقوب.
قالوا: ولا يجوز أن يقال "إن القراءة المشهورة بالضم هي حجة عليكم" لأنا نقول: هذه القراءة لا حجة لكم فيها، لأن الضمة فيها ضمة إعراب، لا ضمة بناء، فإن "أيهم" مرفوع لأنه مبتدأ وذلك من وجهين: PageV02P584
أحدهما: أن قوله: {لننزعن} عمل في: {من} وما بعدها، واكتفى الفعل بما ذكر معه، كما تقول "قتلت من كل قبيل، وأكلت من كل طعام" فيكتفي الفعل بما ذكر معه، فكذلك ههنا: عمل الفعل في الجار والمجرور واكتفى بذلك، ثم ابتدأ فقال: "أيهم أشد" فرفع "أيهم" بأشد كما رفع "أشد" بأيهم، على ما عرف من مذهبنا.
والوجه الثاني: أن الشيعة معناها الأعوان، وتقدير الآية: لننزعن من كل قوم شايعوا فتنظروا أيهم أشد على الرحمن عتيا، والنظر من دلائل الاستفهام، وهو مقدر معه، وأنت لو قلت "لأنظرن أيهم أشد" لكان النظر معلقا، لأن النظر والمعرفة والعلم ونحوهن من أفعال القلوب، وأفعال القلوب يسقط عملهن إذا كان بعدهن استفهام، فدل على أنه مرفوع لأنه مبتدأ.