مقدمة المصنف
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما
أخبرنا الشيخ الفقيه الأجل الإمام قال:
الحمد لله على إنعامه وإفضاله، والصلاة على المصطفى محمد وآله، وعلى أصحابه المقتدين به وبخصاله، في جميع أفعاله وأقواله.
وبعد، إخواني -يرحمهم الله-:
فقد جرى في هذه الأيام من أشهر سنة تسع وخمسمائة، عند قدومي مدينتكم دمشق -حرسها الله على الإسلام والمسلمين، وصرف عنها كيد الكفار والملحدين- تارات وكرات، أذكرها وأحصرها، في مجالس الحديث التي كنت أحضرها، ذكر القراءة على المتصدي للرواية، هل يجب للقارئ عليه أن يريه صورة سماعه في الجزء حتى ينظره؟
أو يقتصر على إعلامه أنه عن من سمعه، وإن لم يقف الشيخ على PageV01P035 # اسم نفسه في تلك الحالة ولم يبصره، واعتمد على قول المفيد عنه، أو قرئ عليه من فرع منقول من الأصل، صح هذا السماع أو لم يصح؟
وكنت أمتنع عن تحرير الجواب وتقريره، احتراما لعلمائها وفضلائها، وحفظا للأدب في حق نبهائها وفقهائها.
فقد كتبت بالإسناد عن بعض المتقدمين أنه قال: ((من حدث في بلدة وبها من أولى بالرواية منه فهو مختل)). PageV01P036
وسئل الإمام أبو بكر القفال الشاشي عند حلوله بظاهر ثغر خوي -حماه الله- عن مسألة، فأمسك عن الجواب لأجل عمر بن يمن الخويي، وأحال في الحال عليه، هذا أو معناه.
والحكاية عندي في أجزاء أذربيجان بالإسناد.
وكان القفال رحمه الله قد قدم تلك الناحية مجتازا إلى الروم غازيا، وقصته مع كلب الروم -متملكها هناك- قصة مشهورة معروفة. PageV01P037
وسمعت القاضي أبو الحسن علي بن أحمد بن المفضض بشروان يقول:
((أمسك القاضي أبو بكر أحمد بن سهل بن السري الهمذاني عن الفتوى حين ورد القاضي أبو القاسم الحسن بن ممشاذ الأصبهاني -المعروف ب (الزرندي) - شروان، إكراما له وإجلالا، وقال: هو أولى بذلك مني)).
هذا أو قريب من معناه، وهو مروي في مسموعات شروان على لفظه.
وفي المثل السائر: ((أدب النفس خير من أدب الدرس)). PageV01P038
وقد سمعت أبا الحسن علي بن محمد بن علي العلاف ببغداد يقول: سمعت أبا الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرئ -المعروف بالحمامي- يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد بن مهران القرميسيني يقول: سمعت أحمد ابن صالح البزاز الواسطي يقول: قال ابن عائشة:
((ولد لكسرى مولود، فجيء ببعض أهل الأدب، وجيء بالمولود، فوضع بين يديه، فقال له كسرى: ما خير ما أوتي هذا المولود؟ قال: عقل يولد معه، قال: فإن عدمه؟ قال: مال يستر، قال: فإن عدمه ذاك؟ قال: أدب حسن يعيش به بين الناس، قال: فإن عدمه ذاك؟ قال: صاعقة محرقة! )).
وسمعت الشيخ الشهيد والدي أبا أحمد محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم السلفي الطوفي رضي الله عنه بأصبهان يقول:
((لا تتقدمن على من هو أولى بالتقدم منك، فإن ذلك مما يزري بك وبحقك، ويحط من قدرك)).
ذكر هذا رحمه الله في جملة وصاياه لي، فجزاه الله عن وصيته ونصيحته خيرا، ورفع له بها قدرا، فلقد نصح نصح من طب -والله- لمن حب.
وما أحسن النصيحة، خاصة من الموفي حق نفسه، حتى يؤثر بعد في غيره.
كما روي في الآثار -وهو عندي بالإسناد-: ((أن الله تعالى أوحى إلى عيسى ابن مريم: يا عيسى عظ نفسك، فإن اتعظت فعظ الناس، وإلا فاستحيي مني)). PageV01P039