وليس كذلك الكتابة؛ لأنها ليست بتبرع فجاز أن ينفذ عقده.
(300) إذا قال المولى لمكاتبه: أبرأتك عن مال الكتابة، فقال: قد رددت بعتق، ولم يرد عن هذا، ذكر عن أبي يوسف أن المال يكون دينا عليه، ولم يرد عن محمد خلافه.
ولو قال: أبرأتك عن نصف مال الكتابة، فقال: رددت، لا يعتق شيء منه.
وجه الفرق أن الإبراء إيجاب حق، وليس فيه استيجاب، فلا يحتاج إلى القبول ويرتد بالرد كالإقرار فإذا أبرأه سقط مال الكتابة عنه، وسقوط مال
الكتابة عنه يوجب عتقه فإذا قال: رددت؛ بطل الإبراء برده كما لو رد الإقرار يعاد المال إليه كذلك هاهنا، ووجوب الدين بعد وقوع العتق لا يوجب إبطاله، كما لو أدى مال الكتابة فوجده زيوفا فرده فإنه لا يبطل العتق ويعود المال إليه كذلك هذا.
وليس كذلك إذا أبرأ عن نصفه؛ لأن البراءة عن بعض المال توجب سقوطه، فصار كالاستيفاء، ولو استوفى بعض مال الكتابة لم يعتق بشيء كذلك هذا.
[كتاب الأيمان والنذور والكفارات]
(301) إذا حلف على امرأته أن لا تخرج من الدار إلا أن يأذن لها، فخرجت مرة بإذنه ومرة بغير إذنه لم يحنث، ويكون بمنزلة قوله: حتى آذن.
ولو قال: أنت طالق إلا أن يقدم فلان.
كان ذلك بمعنى الشرط فإن قدم لم تطلق، وإلا طلقت.
والفرق أن قوله: " إلا أن " يكون في كلام العرب بمعنى الغاية كقوله تعالى: {إلا أن تقطع قلوبهم} [التوبة: 110] ، وقد يكون بمعنى الشرط كقوله تعالى: {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم} [الأحزاب: 53] بمعنى إن لم يؤذن لكم، فإذا احتمل أن يكون بمعنى الشرط، واحتمل أن يكون بمعنى الغاية كان في حمله على الشرط منع لزوم حكمه في الحال؛ لأنه يصير كأنه قال: إن لم آذن لك فأنت طالق إن خرجت من الدار، فيكون تعليق يمين بالشرط، واليمين المعلقة بالشرط لا يلزم إلا عند وجوده، كالجزاء المعلق بالشرط، والرجل إنما قصد بكلامه اللزوم في الظاهر فلا يمنع لزومه، وفي حمله على الغاية قصد تصحيحها؛ لأن ضرب الغايات في الأيمان يصح، ألا ترى أنه لو قال: إن دخلت الدار في شهر فأنت طالق؛ صح، ويلزمه حكمه في الحال، فحمل على معنى الغاية، فصار كأنه قال: إن خرجت من الدار حتى آذن لك فأنت طالق، فإذا أذن لها مرة وجدت الغاية فارتفعت اليمين.
وليس كذلك قوله: أنت طالق إلا أن يقدم فلان؛ لأن " إلا أن " يحتمل المعنيين، وفي حمله على الغاية إلغاؤه؛ لأنه يكون توقيتا للطلاق، والطلاق إذا وقت تأبد، فلا يصح التوقيت فيه فلا يحمل عليه، وفي حمله على معنى الشرط تصحيحه؛ لأنه يكون تعليق الطلاق بالشرط، وتعليق الطلاق بالشرط يصح، فصار كأنه قال: أنت طالق إن لم يقدم فلان، فإن قدم وإلا طلقت.
(302) وإذا حلف لا يدخل بيتا وهو فيه داخل فمكث أياما لا يحنث.
ولو حلف لا يسكن هذه الدار وهو فيها ساكن، فأقام فيها حنث.
والفرق أن الدخول عبارة عن الانفصال من الخارج إلى الداخل، والبقاء على الدخول لا يسمى دخولا؛ لأنه لا يقال: دخلت الدار شهرا فلم يوجد ما نفاه بعقده، فلا يحنث.
وليس كذلك السكنى؛ لأن البقاء على السكنى سكنى مبتدأ، بدليل أنه يصح أن يقول: سكنت الدار شهرا، فصار كالمبتدئ سكنى بعد سكنى فوجد ما نفاه بعقده، فحنث في يمينه.
(303) إذا حلف أن لا يذوق شرابا وهو يعني النبيذ فأكله لم يحنث.