بسم الله الرحمن الرحيم
(وبه أستعين
وعليه أتوكل وإياه أسأل التوفيق والمعونة) (¬1)
الحمد لله مظهر دينه على كل دين، وحائطه (¬2) من شبه المبطلين، وباعث رسوله الأمين إلى كافة الخلق أجمعين بكتابه الحق المبين، معصومة بالإعجاز حروفه ومعانيه، محفوظة بالبلاغة والإيجاز أساليبه ومبانيه، فما قدر العدو الجاحد على إلحاق خلل به بتبديل لفظة من ألفاظه، ولا تغيير معنى من معانيه - مع كثرة الجاحد المجاهد على إطفاء نوره، وظهور (¬3) المعادي المعاند لظهوره - حفظا من الله تعالى له كما وعد، وتعجيزا لمن رام ذلك ممن عاند وجحد، ثم بين سبحانه وتعالي على لسان نبيه (¬4) - صلى الله عليه وسلم - من مناهج دينه وشرعته ما وكل نفي التحريف عنه إلى عدول أعلام الهدى من أمته، فلم يزالوا يذبون عن حمى السنن، ويقومون لله تعالى بهديهم القويم الأحسن، وينبهون على كل متهم بهتك حريمها، ومزج صحيحها بسقيمها؛ حتى بان الصدق من المين (¬5)، وتبين الصبح لذي عينين، وتميز الخبيث من الطيب، وتبين الرشد من الغي، واستقام PageV01P145 # بحمد الله ميسم (¬1) الصحيح، (وأبدى عن الرغوة اللبن الصريح) (¬2)، ثم نظروا بعد هذا التمييز العزيز والتصريح المريح نظرا آخر فيما يقع لآفة البشرية من ثقاة الرواة من وهم وغفلة، فنقبوا عن أسبابها وهتكوا سجف (¬3) حجابها، إلى أن وقفوا على سرها، ووقعوا على خبيئة أمرها؛ فأبانوا عللها (¬4) وقيدوا مهملها، وأقاموا محرفها، وعدلوا (¬5) سقيمها، وصححوا مصحفها، وأبرزوا في كل ذلك تصانيف كثرت صنوفها، وظهر شفوفها، واتخذها العالمون قدوة، ونصبها العاملون قبلة، فجزاهم الله عن سعيهم الحميد أحسن ما جازى به أحبار ملة وعلماء أمة، ثم كلت بعدهم الهمم، وفترت الرغائب، وضعف المطلوب والطالب، وقل القائم مقامهم في المشارق والمغارب، وصار جهد المبرز منهم في حمل علم السنن نقل ما أثبت في كتابه، وأداء ما قيد (¬6) فيه دون معرفة لخطئه من صوابه، إلا آحادا من مهرة العلماء، وجهابذة الفقهاء، وأفرادا كدراري نجوم السماء، ولعمر الله، إن هذه بعد لخطة أعطى صاحب الشريعة - صلى الله عليه وسلم - المتصف (¬7) بها حظه PageV01P146 # (من الأجر وقسطه) (¬1) إذا وفي عمله شرطه، وأتقن حفظه وضبطه، كما حدثنا الشيخ الفقيه الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المعافري (¬2) قراءة عليه، قال: أنا المبارك بن عبد الجبار الصيرفي (¬3) (¬4)، قال (¬5): ثنا أبو يعلى أحمد بن عبد الواحد بن محمد (¬6)، قال: حدثثا أبو علي الحسن بن محمد PageV01P147 # ابن شعبة المروزي (¬1)، قال (¬2): ثنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب (¬3)، قال (2): ثنا محمد بن عيسى السلمي الحافظ (¬4)، قال (2): ثنا محمود بن غيلان، قال (2): ثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة قال: أخبرني عمرو (¬5) بن سليمان - من ولد عمر بن الخطاب - قال: سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان يحدث عن أبيه، عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "نضر الله أمرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" (¬6). PageV01P148
فدعا - صلى الله عليه وسلم - بالنضرة لمن /2/ سمع منه حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، وقد كان فيمن تقدم من سلك هذا السبيل من الاقتصار على أداء ما سمع ووعى، وتبليغ ما قيد وروى، دون تكلف ما لم يحط به علما من تبديل لفظ أو تأويل معنى، وهذه رتبة أكثر الرواة والمشايخ المتقدمين، وأما الإتقان وجودة المعرفة ففي الأعلام منهم والأئمة المشهورين، ثم تساهل الناس بعد في الحمل والأداء، فأوسعوه (¬1) اختلالا ولم يألوه خبالا، وربما شاهدنا الشيخ المسموع بشأنه وثنائه، المتكلف شاق الرحلة إلى لقائه، تنتظم به المحافل، ويتناوب الأخذ عنه ما بين نبيه وخامل، وفقيه وجاهل، وحضوره كعدمه، وبناؤه كهدمه، كتبه مهملة من التقييد والضبط، مسجلة من غير شكل ولا نقط، ثم (لا وعي ولا حفظ) (¬2)، ولا نصيب (¬3) (من العناية بشيء) (¬4) مما يتعاطاه من الرواية، ولا حظ سوى: لقيت فلانا، وأجاز لي (¬5) فلان، (وأذن لي فلان) (¬6)، وسمعت على فلان، وكله أو أكثره زخارف وهذيان، لا تحصيل ولا توصيل، إن سئل عن تقييد (¬7) لفظ أو تحقيق معنى، جبه (¬8) السائل وعاب المسائل، أو طولب بتأويل مشكل، أو إقامة إعراب، طوى الكتاب، وسد الباب، وهجر الأصحاب، PageV01P149 # وزعم أن البحث والطلب من سوء الأدب، قد حمى حمى جهله بالنجه (¬1) وتقطيب الوجه، فلا جرم بحسب هذا الخلل - وتظاهر هذه العلل في كثير من مشايخ (¬2) الرواية، المحرومين فضل المعرفة والدراية، المريحين أنفسهم من كد البحث والعناية - كثر في كتب الحديث التغيير والفساد، تارة في المتن وتارة في الإسناد، وشاع التحريف، وبشع التصحيف، وتعدى ذلك منثور الروايات إلى مجموعها، وعم أصول المصنفات مع فروعها، فلولا أن الله سبحانه قيض لإقامة أودها (¬3)، ومعاناة رمدها صبابات (¬4) من أهل الإتقان في كل زمان؛ لاستمر على الكافة تحريفها، واستقر في موضوعات السنن تبديل الجهلة وتصحيفها (¬5)، لكن قول (الرسول- عليه السلام -) (¬6) حق، ووعد الله تعالى إياه صدق، كما حدثنا (¬7) الشيخ (¬8) الفقيه أبو القاسم أحمد بن محمد بن بقي (¬9)، والشيخ أبو الحسن PageV01P150 # علي بن عبد الله بن موهب (¬1) الجذامي (¬2)، قالا: ثنا الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري (¬3)، قال: ثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد البزاز المكي، قال (¬4): حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن (¬5) قال (4): ثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي، قال (4): ثنا قتيبة، ثنا سعيد بن عبد الجبار الحمصي، حدثنا معان (¬6) بن رفاعة السلامي، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن العذري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (¬7). PageV01P151