المجلد الأول
مقدمة ابن هبيرة لكتابه "الإفصاح"
بسم الله الرحمن الرحيم (صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه):
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد، وعلى آل محمد الطاهرين؛ ورضي الله عنه الصحابة والتابعين.
أما بعد:
فإني كنت شديد العزم إلى رواية كتاب يشتمل على أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشهود لها بالصحة من علماء الأحاديث، وأن نذكر فقه الحديث أيضا في ذلك الكتاب ولاسيما [ما عدا] ما قد فرغ العلماء منه: كالطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والبيوع، والرهن، والإجازة؛ وغير ذلك من أبواب الفقه التي يشير الناس إليها، مما استقرت فيه المذاهب، وانتهت إليه الأمور؛ بل فيما عدا ذلك؛ لأنه قد تشتمل الأحاديث على الأمور المهمة والشؤون اللازمة في الدين، وفيما يرجع إلى العبادات والإخلاص فيها والآداب لها، وغير ذلك من أعمال الآخرة وتزكية النفوس؛ فجعلت أتتبع الكتاب المسطورة في هذا، وأرى كلا من العلماء قد أتى بغرض قصده وأوفض إليه، إلا أنه لم أجد في ذلك كتابا حاويا لما كانت تتطلع إليه نفسي حتى أتيت بكتاب PageV01P039 # (التمهيد) لابن عبد البر الأندلسي رحمه الله؛ فرأيت كتابا نفيسا، إلا أنه اقتصر فيه على الأحاديث المروية في الموطأ عن مالك رضي الله عنه، على أنه في بعض الأماكن لم يستقص كل ما في نفسي، وفي بعض الأماكن أفرط شيئا وأكثر على شرح خلاف الفقهاء المفروغ منه.
ثم إني رأيت إجماع المسلمين على الكتابين الصحيحين اللذين انتدب لتخريجهما الإمامان الكبيران: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، وأن الأمة تلقت ذلك بالقبول، وأنه لا كتاب في الحديث على الإطلاق يفضل عليهما، فرأيت أن أجعلهما مستندا لما أقصده مما ذكرته. وكان قد انتدب (2/ ب) أبو عبد الله محمد بن أبي نصر PageV01P040 # الحميدي رحمه الله، للجمع بين هذين الكتابين في كتاب سماه (الجمع بين الصحيحين) أحسن في تألفه، وربته على أسماء الرجال. وكنت قد سمعته على الشيخ أبي الحسن علي بن محمد الهروي في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة بالدور عن الحميدي المصنف رحمه الله، سماعا له منه في سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وقد ذكر الحميدي إسناده في هذين الصحيحين في آخر الكتاب، فقال: (فأما إسنادنا في هذين الكتابين، فقد روينا كتاب الإمام أبي عبد الله البخاري بالمغرب عن غير واحد من شيوخنا بأسانيد مختلفة تتصل بأبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفربري عن البخاري، ثم قرأته بمكة- أعزها الله تعالى- على المرأة الصالحة كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزي غير PageV01P041 # مرة لعلو إسنادها فيه؛ كما قرأناه على أبي ذر عبد بن أحمد الهروي عن أبي الهيثم محمد بن المكي بن محمد بن زراع الكشميهني عن أبي عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر بن إبراهيم الفربري عن البخاري رحمة الله عليه.
وأما كتاب مسلم فسمعناه بالفسطاط قراءة على الشيخ الصالح أبي عبد الله بن الفرج بن عبد الولي الأنصاري، وهو روايته عن أبي العباس أحمد بن الحسن الحافظ الرازي، سمعه منه بمكة سنة ست وأربعمائة، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن عيسى بن عمرويه بن منصور الجلودي، قال: حدثنا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري، قال: PageV01P042