بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
قال القاضي الإمام العالم بيان الحق خاتم المفسرين محمود بن أبي الحسن بن حسين النيسابوري تغمده الله برحمته أما بعد حمد الله كفاء حقه والصلاة على محمد خير خلقه وعلى آله الطيبين وعترته الطاهرين فإن أفضل العلوم علم كتاب الله النازل من عنده والسبب الواصل بين الله وعبده وقد وجدت تفاسيره إما مقصورة على قول واحد من الأولين أو مختصة بالتكثير والتكرير كما هو في مجموعات المتأخرين والطريقة الأولى من فرط إيجازها لا تشفي القلب والثانية تعيي على
الحفظ لإطالة القول فعند ذلك رغبت إلى الله جل وعز في فضل التوفيق لإيضاح مشكلات التنزيل وإحسان التوقيف على غوامض التأويل بلفظ جزل ومخرج سهل وإيجاز في عاقبة الغريب وبعض إطناب في المشكل العويص وربما جمحت في الرسن بإيراد بعض الشعر الحسن لتمخيض العقل وإجمام الطبع وليتساهم فيه النظر الأدباء والكتاب كما يستقرئ معانيه العلماء وأولو الألباب
وجميع ما في هذا الكتاب من تفسير أسفر عن وجهه أو تأويل أحسر عن ذراعه فهو يجري على سائر ما جمع فيهما مجرى الغرة من الدهم والقرحة من الكمت وبالله التوفيق
سورة الفاتحة
بسم الله الرحمن الرحيم
افتتاح القراءة باسم الله واجب لقوله تعالى اقرأ باسم ربك فإن إعمال الباء يقتضي الحق على افتتاح القراءة بالتسمية والاستنجاح بها على سائر الأمور سنة لقوله عليه السلام كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر
والله اسمه جل وعز وحده وليس بمشتق عن شيء ومعناه الذي تحق له العبادة وليس معناه المعبود ولا المستحق للعبادة لأن من يعبده أو تستحق عليه عبادته إنما خلق بعد أن لم يكن وهو عز اسمه إله فيما لم يزل الرحمن الرحيم اسمان من الرحمة والرحمة هي النعمة على المحتاج وتمام النعمة أن يكون المنعم بها مستغنيا عن فعلها والمنعم عليه محتاجا إليه وذلك المنعم هو الله فحق له العبادة ووجب له الحمد والنعمة قد تبلغ مبلغا لا يقدر أحد من الخلق على شيء منه مثل نعمة الحياة والعقل والحواس وقد يكون يما يتيسر للعباد المعاونة على أسباب منها مثل تعليم العلم وتهذيب الخلق والمواساة بالجاه والمال فذلك اختص أحد الاسمين الجاري بناؤه على المبالغة بالله وهو الرحمن لا يشارك ويشترك الثاني بين جميع المنعمين والرب المالك المدبر والربانيون العلماء الذين يربون العلم
ويجوز أن يكون معنى الرب الحافظ يقال للخرقة التي تحفظ فيها القداح ربابة وربة قال الهذلي
(1) وما الراح راح الشام جاءت سبيئة ... لها غاية تهدى الكرام عقابها
(2) توصل بالركبان حينا وتؤلف ال ... جوار ويغشيها الأمان ربابها
ولا يجوز أن يكون معنى الرب السيد حقيقة لأن السيد لا يستعمل بالإضافة إلى الحي المختار والرب يستعمل عاما في الجميع والعالم اسم للعدد الكثير ممن يعقل وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه اسم كل ذي روح
وعن الحسن رحمه الله ان العالم بما يحويه الفلك والأول أولى لأنه جم جمع العقلاء ولأنه لا يقال رأيت عالما من الإبل ولأن الأصل في اللغة الظهور من ذلك العالم فالعلم رأس الجبل والعلم اللواء والأعلم المشقوق الشفة العليا لأن ذلك ظاهر بين والظهور انما يكون للجمع الكثير وعلى الخصوص فيمن يعقل فانهم في الخليقة كالرؤوس والأعلام وإنهم مستدلون كما أنهم أدلة إلا أن يقال إن جميع المخلوقات يدخل في العالم على التبع لما يعقل فيكون حسنا لأنه أعم معنى والمالك القادر على التصرف ملكا والملك القادر عليه أمرا وتدبيرا فالأول أخص ظهورا إلا أنه أشد نفوذا واختيار قراءة الملك أو المالك أحدهما على الآخر لا يستقيم مع العلم بأنهما منزلان وأن في كل واحد منهما فائدة على حدة