وأما الثامنة- ولم إذا كان الوجوب أعلى مراتب الفعل يجب أن يحمل عليه؟ فإن قالوا: لمكان الاحتياط، لأن الفعل إذا كان واجبا: فإذا حملناه على PageV01P509 # [غير] الوجوب لزمنا ضرر، فأما إذا لم يدل على الوجوب فقد أمنا من تركه، على أن في حمله على الإيجاب ترك الاحتياط من وجه آخر، وهو التحرز عن اعتقاد لا نأمن كونه جهلا وقبيحا على ما عرف.
وأما قولهم: إن الندب هو الدرجة المتوسطة، والإباحة هي الأدنى- قلنا: إن كان كذلك، لم يجب الحمل عليه، مع احتمال جهة أخرى فيه؟ بل يجب الرجوع إلى الجهة المقتضية للوجوب أو الندب أو الإباحة، وإلا فنفس الفعل لا يدل على شيء من ذلك، على ما مر- والله أعلم.
123 - باب في: طريق معرفة الجهة التي تقع أفعال النبي عليه السلام عليه
:
أما الطريق إلى معرفة جهة الوجوب فأشياء:
1 - منها- أن يقول النبي عليه السلام: هذا الفعل واجب.
2 - ومنها- أن يقع امتثالا لدلالة تدل على الوجوب.
3 - ومنها- أن يكون بيانا لكلام يدل على الوجوب.
4 - ومنها- أن يضطر إلى قصده: أنه أوقعه واجبا.
وأما الطريق إلى معرفة كونه مندوبا إليه:
فهذه الأشياء الأربعة. ووجه آخر، وهو أن يدل دلالة، من قول أو غيره، أن له صفة زائدة على أصل الحسن، ولا يدل على وجوبه دلالة.
وأما الطريق إلى معرفة كونه مباحا:
فهذه الوجوه الأربعة. ووجه آخر وهو أن يدل دلالة على حسنه، ولا يدل على صفة زائدة عليه. PageV01P510
[والثاني: ]
124 - باب في: التأسي بالنبي عليه السلام
:
- اعلم أن النبي عليه السلام إذا فعل فعلا، وعرفنا وجه وجوبه، يجب علينا أن نفعله مثلما فعله.
- وإن عرفنا كونه متنفلا به، كنا متعبدين بالتنفل به.
- وإن عرفنا كونه مستبيحا له، يجب علينا اعتقاد إباحته، وجاز لنا فعله على الإطلاق.
وقال بعضهم- إن التأسي به واجب في الأفعال العبادة، دون المباحة من المناكح وغيرها.
والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه:
1 - قوله تعالى: [لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة]. والتأسي به هو أن يفعل مثلما فعله، على الوجه الذي فعله، لأجل أنه فعله، والله تعالى أمر به مطلقا من غير تقييد بالعبادات والمباحات.
فإن قيل: الآية تفيد وجوب التأسي به مرة واحدة، كقول القائل: "لك في الدار ثوب حسن" يفيد أن له في الدار ثوبا واحدا- كذا هذا. على أن الآية تقتضى كونه قوة لنا على الإطلاق من غير تعيين فعل. والإنسان لا يوصف PageV01P511 # بكونه قدوة لزيد مطلقا إذا كان ينبغي له أن يقتدي به في أمر واحد، بل في جميع أموره- فكذا هذا- والله أعلم.
2 - دليل آخر- قوله تعالى: [فاتبعوه]: أمر بإتباع النبي عليه السلام مطلقا، والإتباع قد يكون في القول وقد يكون في الفعل، فيدخل كل واحد منهما تحت إطلاق الآية.
فإن قيل: أليس في الآية عموم، فما الدلالة على أن المراد منه الفعل دون القول أو كلاهما؟ قلنا: نحن نتعلق بإطلاق النص دون عمومه- فنقول: أمرنا بالإتباع المطلق، وهذا إتباع مطلق، فيدخل تحت إطلاق النص.
3 - دليل آخر- إجماع الصحابة رضي الله عنهم: فإنهم كانوا يراجعون إلى أفعال النبي عليه السلام في تعرف الأحكام، نحو مراجعتهم إلى زوجات النبي عليه السلام في القبلة للصائم، وفيمن أصبح جنبا وهو صائم، وفي نكاح ميمونة وهو محرم أو حلال، وغير ذلك؟ وهذا إجماع منهم على وجوب إتباعه في أفعاله المباحة، وإجماع الصحابة حجة- والله أعلم.