بسم الله الرحمن الرحيم
رب تمم
الحمد لله كما هو أهله ومستحقه. والصلاة على رسوله محمد وآله.
قال الإمام الأجل الكبير، الأستاذ شيخ الإسلام علاء الدين عالم علماء الشرق والصين، محمد بن عبد الحميد رحمه الله:
وبعد- فإني كنت جمعت "طريقة الخلاف" وأدرجت في أثناء مسائلها قدر ما يحتاج فيها من أصول الفقه على وجه الاقتصار والاقتصاد، ثم إن بعض الأعزة من أصحابي لم يقنع بذلك، وسألني أن أؤلف فيه جمعا مفردا، يأتي على جميع أبوابها، وأستوفى الكلام في كل باب منها، على الرسم المعهود في مثله- فأجبتهم إلى ذلك، وسألت الله تعالى التوفيق لإصابة الحق، والعصمة عن الخطأ، إنه على ذلك قدير. PageV01P003
[المقدمة]
1 - باب - بيان وجوب العلم بأصول الفقه. وكيفية وجوبه.
أما وجوبه:
فلتعلق دفع أعلى المضار به، وهو العقاب في الآخرة.
بيانه: أن دفع العقاب في الآخرة إنما يحصل بالجري على قضايا الأحكام الشرعية. ولا حصول للعلم بالأحكام الشرعية إلا بالعلم بأصول الفقه. فصار العلم بأصول الفقه شيئا لا مدفع للعقاب بدونه، وما هذا حاله، فهو واجب عقلا وشرعا.
وأما كيفية وجوبه:
فهو واجب على التعيين في حق من تعين لذلك وتصدى به لفتوى العوام وتقليدهم إياه: إما بتعيين النبي عليه السلام إياه، أو بتعيينه نفسه بالتصدي لذلك، لأن المقصود لا يحصل بدونه.
وفي حق العوام واجب على البدل، لأن المقصود يحصل بدونه، وهو تقليد العالم وإتباع فتواه.
2 - باب- ماهية أصول الفقه. وكيفية الاستدلال به.
وما يتبع كيفية الاستدلال [بها]:
[ماهية أصول الفقه]:
فنتكلم أولا في الفقه، وأصوله- لأن قولنا "أصول الفقه" مشتمل عليهما. PageV01P005
أما الفقه:
ففي اللغة عبارة عن الفهم والمعرفة- فقال الله تعالى: {لا يكادون يفقهون قولا} أي لا يفهمون. وقال تعالى: {واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي} أي يفهموا. ومنه قول القائل "فقهت كلامك" أي عرفت غرضك ومقصودك.
غير أن[ه] في عرف الفقهاء يفيد جملة من العلوم بأحكام شرعية، وهي الأحكام المستفادة بالشرع، لا الأحكام المدركة بالعقل، فإن للأفعال: أحكاما عقلية نحو: كون الفعل عرضا ويفتقر إلى محل يقوم به، ومخالفا للجوهر، PageV01P006 # وكونه كونا وحركة وسكونا ونحو ذلك. وأحكاما شرعية من نحو: كونه حسنا ومباحا ومندوبا وواجبا وقبيحا وحراما ومحظورا ومكروها: فالحسن هو المختص بحال يقتضي استحقاق المدح عليه. والمباح ما أزيل عنه الحظر والمنع ممن يتوقع منه ذلك. والمندوب ما بعث المكلف عليه من غير إيجاب. والواجب هو المختص بحال يقتضي استحقاق الذم على الإخلال به. والقبيح هو المختص بحال يقتضي استحقاقه الذم عليه. والحرام هو المختص بحال يقتضي المنع منه والذم عليه. والمحظور ما منع عنه بالزجر لا بالحبس، فإن من قبض على يد غيره لا يقال "حظر عليه البطش". والمكروه ما الأولى أن لا يفعل- فالفقه عبارة عن معرفة هذه الأحكام دون العقلية. PageV01P007
وأما الأصل:
ففي اللغة عبارة عما يبتني عليه غيره ويتفرع عليه سواه، كأساس الجدار وساق الشجر ونحو ذلك.
فقولنا "أصول الفقه":
على موجب اللغة يفيد ما يتفرع عليه الفقه. وذلك يوجب أن يكون العلم بالله تعالى وبصفاته وبالنبوات من أصول الفقه، لما أن الفقه يتفرع عليه. غير أن[ه] في عرف الفقهاء يفيد ما يؤدي إلى الفقه من الطرق. وذلك ضربان: دلالة وأمارة.