يجوز أن يتقدم على العالم زمانا لم يجز أن يكون مع العالم زمانا فإنا كما نفينا التقدم الزماني نفينا المعية الزمانية ومثار الشبهة ومجال الخيال هاهنا فإن فازت سفينة النظر عن هذه الغمرة فاز أهل الحق بقصب السبق في المسألة، فإن ما لا يقبل الزمان ولم يكن وجوده زمانيا لم يجز عليه التقدم والتأخر والمعية الزمانية كما أن ما لا يقبل المكان ولم يكن وجوده وجودا مكانيا لم يجز عليه التقدم والتأخر والمعية المكانية فقول الخصم إن العالم معه دائم الوجود إيهام بالزمان فيقال: يجوز أن يكون موجودان أحدهما متقدم بالذات والآخر متأخر بالذات ويكونان معا في الزمان فإن التقدم بالذات لا ينافي المعية في الزمان كتقدم السبب على المسبب وحركة اليد على حركة المفتاح في الكم لكن إذا كان وجودهما زمانين فأما وجود لا يقبل الزمان أصلا كيف يطلق عليه معية بالزمان وذلك كالتقدم بالمكان والمعية به، فإن السبب والمسبب قد يكونان معا في المكان ويسبق أحدهما الآخر بالذات، لكن إذا كان وجودهما مكانين فإما وجود لا يقبل المكان أصلا فكيف يطلق عليه معية بالمكان ونحن لا ننكر أن الوهم يرتمي إلى مدة مقدرة قبل العالم كما يرتمي إلى فضاء مقدر فوق العالم وذلك وهم مجرد وخيال محض فلا قضاء ولا بينونة كما يقدره الكرامي «1» ولا زمان ولا مدة كما يقدره الوهمي «2» ولو قدر تقديرا عالم آخر فوق هذا العالم لم يؤد ذلك إلى تجويز عوالم هي PageV01P011 أجسام لا تتناهى إذ قد تبين بالبرهان استحالة بعد لا يتناهى في الملا والخلاء وكذلك لو قدر تقديرا عالم آخر قبل هذا العالم لم يؤد ذلك إلى تجويز عوالم هي متحركات لا تتناهى إذ تبين بالبرهان استحالة مدة وعدة لا تتناهى، فرجع الخلاف إذا إلى استحالة وجود جسم لا يتناهى بعدا وبيان استحالة وجود أجسام لا تتناهى زمانا فإن الخصم يسلم التقدم والتأخر في المعية فإذا سلم التقدم نقول: لا يلزم من تقدير جسم لا يتناهى بعدا وإن كان مستحيلا أن يكون مع الباري تعالى بالمكان كذلك لم يلزم من تقدير حركات لا تتناهى زمانا أن تكون مع الباري تعالى بالزمان فإنه تعالى غير قابل للزمان والمكان وكان الله ولم يكن معه شي ء إذ لم تكن معية بالذات ولا بالوجود ولا بالرتبة المكانية والزمانية ولم يلزم من إطلاق كونه موجدا أن يكون الموجد معه في الوجود ولا لزم من إطلاق كونه موجبا أن يكون الموجب معه في الوجود، فإن الوجود المستفاد لا يكون مع الوجود المفيد وكان المعية من كل وجه وعلى كل معنى من الأقسام منفيا عنه سواء أطلقناها في قسم واحد أو في قسمين مركبين، ونحن نبدأ بطرق المتكلمين ثم نعود إلى ما ذكرناه من الكلام على محل النزاع.
فنقول للمتكلمين طريقان في المسألة أحدهما إثبات حدث العالم، والثاني إبطال القول بالقدم.
أما الأول: فقد سلك عامتهم طريق الإثبات الأعراض أولا، وإثبات حدثها ثانيا وبيان استحالة خلو الجواهر عنها، ثالثا وبيان استحالة حوادث لا أول لها، رابعا ويترتب على هذه الأصول أن ما لا يسبقه الحوادث فهو حادث وقد أوردوا هذه الطريقة في كتبهم أحسن إيراد.
وأما الثاني: فقد سلك شيخنا أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه طريق الإبطال وقال: لو قدرنا قدم الجواهر لم يخل من أحد أمرين: إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة أو لا مجتمعة ولا مفترقة أو مجتمعة ومفترقة معا أو بعضها مجتمع وبعضها مفترق «1»، وبالجملة ليست تخلو عن اجتماع وافتراق أو جواز طريان الاجتماع والافتراق وتبدل أحدهما بالثاني وهي بذواتها لا تجتمع ولا تفترق لأن حكم الذات لا يتبدل وهي قد تبدلت فإذا لا بد من جامع فارق فيترتب على هذه الأصول أن ما لا يسبق الحادث فهو حادث، وقد أخذ الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني هذه الطريقة وكساها عبارة أخرى، وربما سلك أبو الحسن رحمه الله طريقا في إثبات حدوث الإنسان وتكونه من نطفة أمشاج وتقلبه PageV01P012 في أطوار الخلقة وأكوار الفطرة، ولسنا نشك في أنه ما غير ذاته ولا بدل صفاته ولا الأبوان ولا الطبيعة فيتعين احتياجه إلى صانع أول قديم قادر عليم قال وما ثبت من الأحكام لشخص واحد أو لجسم واحد ثبت في الكل في الجسمية وهذه الطريقة تجمع الإثبات والإبطال واعتمد إمام الحرمين رضي الله عنه طريقة أخرى فقال الأرض عند خصومنا محفوفة بالماء والماء بالهواء والهواء بالنار والنار بالأفلاك وهي أجرام متحيزة شاغلة جوا وحيزا وبالاضطرار نعلم أن فرض هذه الأجسام متيامنة عن مقرها أو متياسرة أو أكبر مما وجدت شكلا وعظما أو أصغر من ذلك ليس من المستحيلات وكل مختص بوجه من وجوه الجواز دون سائر الوجوه مع استواء الجائزات وتماثل الممكنات احتاج إلى مخصص بضرورة العقل، وستعلم فيما بعد أن العالم ممكن الوجود باعتبار ذاته سواء قدر كونه متناهيا في ذاته مكانا أو زمانا أو غير متناه فإن الخصم يقضي عليه بالإمكان على أنه في ذاته غير متناهي الزمان وهو متناهي المكان، فالأولى أن يجعل للتناهي المكاني مسألة ويجعل للتناهي الزماني من حيث الحركات والمتحركات مسألة أخرى، ونأخذ احتياجه إلى المخصص كالمسلم أو كالضروري أو كالقريب من الضروري.