ولو سأل سائل هل يمكن تقدير عالم آخر وراء هذا العالم ووراء ذلك العالم عالم آخر إلى ما لا يتناهى كان السؤال محالا كذلك لو سأل هذا هل يمكن تقدير هذا العالم أو عالم آخر قبله بزمان وقبل ذلك القبل بزمان إلى ما لا يتناهى كان السؤال أيضا محالا فليس قبل العالم إلا موجده ومبدعه قبلية الإيجاد والإبداع لا قبلية الإيجاب بالذات ولا قبلية الزمان كما ليس فوق العالم إلا مبدعه فوقية الإبداع والتصرف لا فوقية الذات ولا فوقية المكان والله المستعان. PageV01P035
[القاعدة الثانية في حدوث الكائنات بأسرها بأحداث له سبحانه]
القاعدة الثانية «1» في حدوث الكائنات بأسرها بأحداث له سبحانه
وفيها الرد على المعتزلة والثنوية والطبائعيين والفلاسفة وفيها تحقيق الكسب والفرق بينه وبين الإيجاد والخلق.
مذهب أهل الحق من أهل الملل وأهل الإسلام: أن الموجد لجميع الكائنات هو الله سبحانه فلا موجد ولا خالق إلا هو، والفلاسفة جوزوا صدور موجود من غير الله تعالى بشرط أن يكون وجود ذلك الغير مستندا إلى وجود آخر ينتهي إلى واجب الوجود بذاته، ثم هم مختلفون في أنه هل يجوز أن يصدر عنه أكثر من واحد فذهب أكثرهم إلى أنه واحد من كل وجه فلا يصدر عنه إلا واحد.
ثم اختلفوا في ذلك الواحد فقال بعضهم: هو العقل وقال بعضهم: هو العنصر ثم العقل.
واختلفوا في الصادر عن المعلول الأول فقال بعضهم: هو النفس وقال بعضهم:
هو عقل آخر ونفس وفلك هو جسم وكذلك يصدر عن كل عقل عقل حتى انتهى بالعقل الذي هو مدبر فلك القمر الفعال الواهب للصور على مركبات العالم.
ومن قدماء الأوائل من جوز صدور شي ء متكثر من واجب الوجود واختلفوا فيه فمنهم من قال: هو الماء، ومنهم من قال: هو النار، ومنهم من قال: هو الهواء، ومنهم من قال: هو أجسام لطيفة بسيطة تركبت أو أجزاء صغار اجتمعت فحدث العالم، ومنهم من قال: هو العدد، ومنهم من قال: هو المحبة والغلبة على ما قررنا تفصيل مذاهبهم في الإرشاد إلى عقائد العباد.
وأما المجوس: فلهم تفصيل مذهب في حدوث الكائنات وسبب امتزاج النور والظلمة وسبب الخلاص لكن اتفقوا على نسبة الخير والصلاح إلى النور ونسبة الشر والفساد إلى الظلمة. PageV01P036
وأما المعتزلة والقدرية: فأثبتوا للقدرة الحادثة تأثيرا في الإيجاد والأحداث من الحركات والسكنات وبعض الاعتقادات والاعتمادات والنظر والاستدلال من نفسه أنها تتوقف على البواعث والدواعي وورود التكليف بمباشرتها والكف عنها.
ووافقنا الفلاسفة على أن جسما ما أو قوة في جسم لا يصلح أن يكون مبدعا لجسم.
ووافقنا المجوس على أن الظلمة لا يجوز أن تحدث بإحداث النور.
ووافقنا المعتزلة على أن القدرة الحادثة لا تصلح لإحداث الأجسام والألوان والطعوم والروائح وبعض الإدراكات والحياة والموت ولهم اختلاف مذهب في المتولدات وإنما أوردنا هذه المسألة عقيب حدث العالم لأن الدليل لما قام على أن الممكن بذاته من حيث إمكانه استند إلى الموجد وأن الإيجاد عبارة عن إفادة الوجود فكل موجود ممكن مستند إلى إيجاد الباري سبحانه من حيث وجوده، والوسائط معدات لا موجبات وهذا هو مدار المسألة «1».
ولنا في هذا المعنى كلام مع الفلاسفة على مقتضى قواعدهم ومع المجوس على موجب أصلهم باعتبار أنه موجود، ومع المعتزلة على موجب عقائدهم.