كتاب "قانون التأويل"
بسم الله الرحمن الرحيم
رب أعن بفضلك وكرمك
قال الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري رحمة الله عليه:
هذه رسالة من المستبصر بنقصه، المستقصر لنفسه، المضطر إلى ربه، المستغفر لذنبه، إلى جميع الطالبين، والراغبين، والسالكين سبيل المهتدين.
إلى من صدقت إليه رغبته، واستمرت عليه عزيمته في تحرير مجموع في علوم القرآن، يكون مفتاحا للبيان، ولج (1) عند التوقف عن ذلك في العتاب (2)، وطمس في وجه الأعتاب (3)، وأغلق إلى المعذرة كل باب. PageV01P411
واحتج بما شاهد من كلامي عليه إبان كنت أليح (1) إلى من حضر من المسلمين بأنوار الفجر في مجالس الذكر.
وجذب مع نفسه جماعة لجوا بلجاجه، وعجوا (2) بعجاجه .. وصمموا على أن العذر لا يلوح في هذا، لأن تلك الأقوال التي كنا نسمع، لو تقيدت في قراطيس، لكانت رحضا لو ضر الجهالة، وحسما لداء الحسادة، وبهتا لمن أحظر عناده، ولعمت منفعتها من تقبلها وردها، ومثلها كالغيث إذا همع (3) أصاب الأباطح والرياض، وصاب (4) على الحدائق والغياض. فيكون منها طائفة تمر عليها كالسيل في الانحدار، وأخرى تقبلته فحفظته على من يرد مع مرور الأعصار، وثالثة صرفته بوجوه التفطن والاستبصار، ورابعة جمعت فيه بين العلم به والعمل في الأذكار.
قالوا: ولو لم نشاهد إيرادك فيه لما يعجز أهل الوقت، ويوجب عليهم في ترك الاعتراف لك بالمقت، ولا سمعنا منك تلك الدرر، PageV01P412
والجواهر منظومة في سلك الأبداد (1)، قاضية لك بالانفراد في العلم والاستبداد، وبالغة من البيان إلى غاية المراد، لكنا نغبر في وجه الاعتراض عليك، ونلقي بمقاليد القول إليك ..
فأما وقد كان من بيانك ما كان، وبان للخلق منه ما بان، فلا يسعك والحالة هذه إلا أن تقوم بهذا الحق المتعين عليك، أو تخرج عن ذلك بعذر يقبل وجه القبول إليك (2):
فقلت: معاشر المريدين، أبلعوني ريقي، تعرفوا تحقيقي، وخذوا خاتمة كلامي يتبين لكم الفصل بين مرامكم ومرامي، واجمعوا ساعة على إسعادي، فربما ساعدتموني بعد على مرادي.
إن الله سبحانه -له الحمد وله الشكر، وبيده الخير والشر (3)، ومنه PageV01P413
النفع والضر -يسر لي طلب العلم على الوجه الذي كنا رتبنا بيانه في كتاب "ترتيب الرحلة للترغيب في الملة" (1)، فلما شذ في معرض المقادير، واستلبته الحوادث بما سبق في علم الله من التدبير، رأينا أن نجدد ما سلم في الرقاع الموجودة، مع ما حضر في الذكر، ليكون عنوانا لما جرى، وتنبيها على فضل من تأوب، وسرا وحجة لمن قال: قد تعدى من تمنى أن يكون مثل من تعنى (2)، ونقرن به من نكت المعارف، ما يقوم به مائل العذر، ويتضح منه ما استبهم لكم من الأمر، ونشير إلى الممكن من "قانون في التأويل لعلوم التنزيل" يرشد المبتدىء إلى ضالة الطلاب، ويفتح على المنتهي ما أرتج (3) من الأبواب.