ولا يقول الملك إلا من عند الله، لأنه رسول الله، وهذه حقيقة اسمه وصفة فعله، ولكن النبي صلى الله عله وسلم أراد ان يكن هذا القول اسما صريحا لا كنية كنى بها عن سميتها أو جارتها أو قرينتها أو شبيهتها فسيظهر بذاته وعينه فكذلك فعل إبراهيم عليه السلام لما رأى أنه يذبح ولده بادر إلى الأخذ بالظاهر، وشرع في امتثال هذا الأمر مع سائر الأوامر، فلما جاء بطاعته وبادر إلى الشروع بامتثاله، قيل له: صدقت الرؤيا بالمقدمات من إعداد الآلآلت وتوطين النفس على التقرب بامتثال الأمر في المأمور، وهذا هو المأمور وهو كنية عن الولد فامتثل ذلك فيه بفعل وتقرب به وأبقاه في عقبه، وهم المسلمون كلهم من ذريته وغيرهم تبع لهم في مثله. ولذلك امتثل هذا الذبح بنو إسماعيل الذبيح من لدنه إلى زمان محمد عليه PageV02P341 # السلام حتى أقره الله في شريعته. ولا يعرف اليهود هذا، ولو كان الذبيح اسحاق عليه السلام ما ذبح اليهود في يوم النحر إلا أبناءهم بدلا عن مشايتهم لابتداع رهبانيتهم. PageV02P342
سورة ص
فيها أربع آيات
الآية الأولى: قوله تعالى: {اصبر على ما يقولون} نسختها آيات القتال وقد تقدم ذكر ذلك.
الآية الثانية: قوله تعالى: {فطفق مسحا بالسوق والأعناق} قال بعضهم: نسخ قطع سليمان عليه السلام الأعناق والخيل السنة المانعة من قتل البهائم. وهذا لا يحسن لأنه خبر عما فعل سليما فإن صح ذلك فهي شريعة كانت نسختها شريعة الإسلام.
قال القاضي محمد بن العربي رحمه الله:
قال المفسرون في هذه الآية، إن سليمان ضرب أعناق خيله بالسيوف وعرقبها، وقالوا إنه مسحها بردائه برابها كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بفرسه، وقالوا إنه وسمها وحبسها في الغزو والجهاد والصحيح أنه قلتها، وغير ذلك عدوان على القرآن والمسألة مشهورة في بني إسرائيل منصوصة في كتاب الله. عرض النبي الخيل بالعشي فألهته عن الذكر حتى غابت يعني الشمس ولم يذكرها اكتفاء بدلالة العشى عليها، فعلم أنه امر شغله عن طاعة الله وكأنه طاعة شغلت عن أخري أكبر منها فتبرأ لله عنها، فإن قيل كيف عرقبها وهي منهي عنها؟ قلنا هذا سؤال فاسد والعلم بالسؤال من أكبر أنواع العلم، وقد رأيت من يعرف الجواب جما غفيرا PageV02P343 # ولم أر من يعرف السؤال إلا قليلا، كما أني رأيت ألف رجل يحفظون أجوبة المدونة وما رأيت من يحفظ اسولتها إلا ابن أبي حبيب المهدوي وابن شاس الطرابلسي.
وكان ابن أبي حبيب يزيد عليها بحفظ أسولة كتاب محمد، ووجه فساد هذا السؤال يظهر بتفسيره كأنه يقول كيف عرقبها سليمان في شريعته، وذلك منهي عنه في شريعتا؟ ولا يلزم تركيب شريعة على شريعة في معرفة حكم فيما افترقت فيه، وإنما تتركب شريعتنا على شريعة من قبلنا فيما لم ينص لنا فيه على حكم، وقد قيل إنه فعل ذلك بها للأكل، وقد ذبحت الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا وأكلوه، رواه مسلم عن جابر. فإن قيل: العرقبة تعذيب وذلك لا يجوز، قلنا: بل ذلك جائز في شريعتنا إذا اردنا أن لا نمكن أحدا من الانتفاع بها في الغزو، وقد قال الحسن قطع سوقها وأعناقها فعوضه الله خيرا منها: (الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب) فهذه شريعة مستقرة وحكم ثابت منعه الله في شريعتنا بما ثبت من النهي عن قتل البهائم صبرا أو عن إفناء المال وإن فتن، وقد نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعلام خميصة فقال: اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم، وإيتوني بكردنه وفي الصحيح بأنبجانية وأما من قال إنه وسمها للحبس فبعيد PageV02P344 # عن الظاهر والنقل، وأما من قول البائس أنه لا يحسن أن ينسخ هذا النهي عن قتل البهائم لأنه خبر عما فعل سليمان عليه السلام، ولم يعلم أن افعال الأنبياء شريعة كما أن أقوالهم شريعة، ولا خلاف في ذلك وقد بيناه في أصول الفقه، فإن قيل النهي عن قتل البهائم خبر واحد، وخبر الاحاد لا ينسخ القرآن، قلنا: قد بيناه حقيقة وتفصيلا في اصول الفقه، وإذا اجتمعت الأمة على نقله أو على معناه جاز نسخ القرآن به.