ومنهم من قال: فريضتهما من خمسة، للخنثى سهمان وللصحيح ثلاثة.
وذلك كله غلط، والصواب أن يعمل فريضتان: فريضة على أنه ذكر، وفريضة على أنه أنثى، ففريضتهما على أنهما ذكران من اثنين، وفريضتهما على أن أحدهما أنثى من ثلاثة، فاضرب الثلاثة في اثنين فذلك ستة، ثم ضعفهما فذلك اثنا عشر، وإنما أضعفناهما PageV06P562 # ليكون بيد كل واحد منهما من التذكير والتأنيث نصف صحيح، ثم قسمناهما على أنهما ذكران فلكل واحد ستة، ثم قسمناها على أن أحدهما أنثى فيكون للذكر ثمانية، وللأنثى أربعة، ومن أراد الشفاء من هذه المسائل فعليه "بالكتاب الكبير" والحمد لله
المسالك في شرح موطأ مالك
للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي المعافري
(المتوفى سنة: 543ه)
المجلد السابع PageV07P003 # بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب القول في الدماء والقسامة
مقدمة
(¬1)
قال الإمام: الدماء خطيرة القدر في الدين، عظيمة المرتبة عند رب العالمين، وهي وإن كانت محرمة بالحكم والأمر، فإنها مراقة بالقضاء والحكمة، وهو الذي ضجت منه الملائكة ورفعت قولها إلى الله عز وجل، فقالت: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} (¬2).
ومن مراتبها وعظيم خطرها، قال الله عز وجل: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق} الآية (¬3)، فأجاب الله تعالى الملائكة بقوله: {قال إني أعلم ما لا تعلمون} (¬4).
ثم علمنا الله تعالى معنى ذلك وحكمته، وهي ما بيناه في "الأسماء" (¬5)، وذلك أن الله سبحانه له الصفات العلى والأسماء الحسنى، وكل أسمائه وصفاته لها متعلق لابد أن يكون ثابتا على حكم المتعلق، ومنها عامة التعلق، ومنها خاصة، فلما كان من صفاته الرحمة، أخذت جزءا من الخلق، فكان لهم العفو والعافية في الدنيا والآخرة. PageV07P005
ولما كان من صفاته السخط، أخذت هذه الصفة جزءا من الخلق، فوجب لهم العذاب، واستحقت عليهم النقمة، إلى آخر تحقيق هذا الفصل في الكتاب المذكور (¬1). فلما خلق الملائكة يفعلون ما يؤمرون، ويسبحون الليل والنهار ولا يقترون، لم يكن بد -لما تقدم بيانه- له من أن يخلق من تجري عليه هذه الأحكام وهو الآدمي، تجري عليه المقادير من خير وشر، وتتفذ فيه هذه المقادير من نفع وضر، والحمد لله الذي بصرنا حكمته وأحكامه، وإياه نسأل نورا يتيسر به العمل.
فاتحة (¬2):
ولعظيم حرمة الدماء، حذر النبي -عليه السلام- امته عنها، فقال في الحديث الصحيح: "لا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يسفك دما حراما" (¬3). فالفسحة في الدين: سعة الأعمال الصالحة، حتى إذا جاء القتل ضاقت؛ لأنها لا تبقى به (¬4).
وروي في رواية أخرى (¬5): "في فسحة من ذنبه" والفسحة في الذنب: قبوله للمغفرة (¬6)، وإن قتل البهائم بغير حق ليوجب ذنبا عظيما، فكيف قتل الآدمي الذي لو وزن بالدنيا بأسرها (4) لرجحها (¬7)؟. PageV07P006
وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أول ما يقضى فيه يوم القيامة في الدماء" (¬1) لأن المهم أبدا هو المقدم.
وفي "الترمذي" (¬2) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "زوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم".
وعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لو أن أهل السموات وأهل والأرض اشتركوا في دم رجل مؤمن لأكبهم الله في النار" (¬3).